يقول أ. د. وائل أبو هندي :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
أهلا بابنتنا العربية المسلمة في العام الخامس والعشرين بعد أربعة عشر قرنا من هجرة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، بنتنا التي تكتبُ لنا سطورًا إلكترونية تبوح فيها بما لم تكن -قبل أعوامٍ ليست بعيدة- تملك حتى الخيال عنه، ها هي تعرفنا بأنها عرفت محظورنا الكبير الجنس!

بنتنا كانت تعرف أن هناك خطأً ما تفعله، لكنها انجرفت في الفضاء الإلكتروني، ولم تشعر بأنه خطأٌ / خطرٌ كالذي في الواقع، فالفضاء الإلكتروني يجرف، وكل من يدخل النت يعرف جيداً ما أقول، ولله الأمرُ من قبل ومن بعد، فأنا أعرف أن بنتنا ككثيرات وكثيرين غيرها انزلقت أقدامهم في هاوية الجنس الإلكتروني وهم يحسبون الأمرَ لن يضرَّ ما داموا يستطيعون اتخاذ ذوات أخرى غير ذواتهم الحقيقية، وأن الأمر يختلف عن فعل نفس الشيء في الواقع!

وأنا أعرف أيضا أننا تركنا -نحن مسلمي هذا الزمان- لأنفسنا، وأعطينا قدرة النفاذ إلى ما لا نملك فقها واضحا للتعامل معه، وفي نفس الوقت الذي نعيش فيه واقعا يمج بالتناقضات والالتباس، أعطينا قدرة ومسئولية أن يحددَ كل واحدٍ الحسن والقبيح وأن يختار ما يشاء، وهذا ما لا ينبغي أن يكونَ لمن لم يعدوا لمواجهته، هذا دور الأمة إذن، وكلنا يعرف أن أمتنا لم تقم به، كما كان يجب أن يكونَ القيام، فلم يعدَّ جيلٌ ليواجه ما كان، ولا حتى نحن اعتبرنا أن جيلاً قد ضاع وبدأنا نعد للجيل الذي يليه، فكأننا قذفنا بأولادنا في البحر دون تدريبات العوم اللازمة، ولم نعلم أولئك الأولاد أكثر من أن ماء البحر غالبا ما يكونُ باردًا وأنه تكونُ هناك أمواج في بعض الأحيان.

وأما المهم الآن فهو أن ابنتنا صاحبة المشكلة المتفجرة التباسا فالتباسا، تبوح لنا على سطور الفضاء الإلكتروني، تبوح بكل بساطةٍ بإدمانها وممارستها للجنس الإلكتروني أيا كانت صوره وأشكاله، بينما هي في واقع الأمر في حياتها الواقعية وحياة من يعرفونها في الواقع خارج النت، طالبةٌ في الثانوية العامة تصف نفسها بمنتهى الصدق:
(وأنا في الواقع خارج نطاق النت.. فتاة محترمة.. متدينة إلى حد ما.. أهلي يثقون بي.. ولا يعلمون ما تقوم به ابنتهم..)، وتعترف بأنها تتبع نفسها الأمَّارة بالسوء أحيانا بعدما أفلحت في الإقلاع عن إدمان مشاهدة الصور والأفلام الجنسية حتى كادت تخلعها تماما من ذاكرتها كما قالت، إلا أنها تقول إنها ما زالت تندفع أحيانا مستجيبةً لنفسها الأمارة بالسوء فتقول:
(أحيانا.. أدخل ساحات الدردشة لأبحث عن شخص ما أتحدث معه.. أقوم بهذا تلقائيًّا دون تفكير..) إذن هي تصف ما يصفه المدمن وهو يحارب إدمانه ويحاول الخلاص منه، كما تؤكد لنا تنازع نفسها اللوامة مع نفسها الأمارة بالسوء حين تقول:
(وأنا في الحقيقة أكره ما أقوم به.. وأحاول دوماً الابتعاد.. ولكني أعود..).

وهي في مقدمة الإفادة تلقي باللائمة على ذلك (الذكر الإلكتروني) الذي عرفته بعد سنتين من دخولها عالم الإنترنت؛ لأنها دخلت منذ سنواتٍ خمس، وغُرِّرَ بها حسب إفادتها مع السنة الثالثة، وربما كانت بريئة حتى إنها وجدت عالم الجنس “غريبا”، ولكن الذكر الإلكتروني “أرغمها” بعد ذلك على ممارسة الجنس الإلكتروني، وانتقلا للهاتف، وربما كان هناك نوعٌ من الجبر والتهديد من قبله، المهم أنها ربما بدأت بريئة وربما احتاجت لوقت طويل حتى أفاقت، وبدأت في محاولات ضبط سلوكياتها ولنقل إنها بدأت تحاول التوبة، والله لا يردُّ تائبا سبحانه الغفور الرحيم.

لكن ما لا نستطيع اعتباره بريئا بأي حال من الأحوال، فهو ما يفهمُ من قولها:
(ولكني أحيانا ينتابني شعور بالرغبة.. فأقرأ قصصا عنه.. لا أعلم لِمَ ولكن أمرا ما يجذبني إليه)، فمن المستحيل أنها لا تعرف أن هناك غريزة تجذبها إلى الجنس، وأن وجود الرغبة ليس أمرًا يصح أن نتساءل عنه خاصةً في تلك الفترة المهمة الحرجة التي تعيشها كما وصفتها في أول إفادتها، ومن تتساءل عنه بهذه الطريقة يجبُ أن تكونَ أكثر براءة ما تزال من صاحبة المشكلة، وإن كنا على أي حالٍ سنعتبرُ أنها خانها التعبير ليس أكثر.

بنيتي أنا هنا سأسألك، منذ كم من السنوات الخمس على النت دخلت على صفحتنا مشاكل وحلول للشباب؟ ولماذا لم تحاولي الاستعانة بعد الله بخدمة مشاكل وحلول؟

ماذا كنت تفعلين غير ممارسة الجنس الإلكتروني أو مساومة الذكر الإلكتروني منذ بدأت الهروب منه؟ وكيف استطعت قطع الشوط الأهم في دوامة الصراع مع الإدمان؟ إن هذه التجربة في حد ذاتها خبرةٌ تستحقين -إن صدقت- أن تفخري بها فلماذا لم تذكريها؟ ألا ترين أنها ستكونُ مفيدةً لكثيرات من أخواتك المسلمات؟ ثم لماذا لم تشيري إلى ممارسة الاسترجاز وكأن ما تفعلينه شيء يختلف عنه مع أن واقع الأمر هو أن الممارسة الإلكترونية للجنس ليست أكثر من تخيلات جنسية أو استرجازٍ بالتخيل؟ ، لا بد لي أن أضع دائرة حمراء وعلاماتٍ استفهام وتعجب، وأرفقها بطلب للمتابعة أيضا إذا سمحت.

أي بنيتي العاقلة الرشيدة المحترمة في الواقع والتي تحسُّ بالضياع وتصف حالها بقولها: (مستواي التعليمي بات في انخفاض.. كل أهلي يعتمدون علي.. ويعقدون علي الآمال.. في أن آتي بنسبة عالية.. وأنا أيضا أريد ذلك.. ولكن ماذا أفعل في مشكلتي؟!)، لم أكن أستطيع الكلام معك عن كيفية محاولة الحل لمعاناتك دون أن أضع كل ما سبق من لبناتٍ لكلامي التالي:

أهم ما يجبُ عليك الآن هو أن تبتعدي قدر إمكانك عن الإنترنت لفترةٍ حتى تتمكني من الخلاص من شراك ذلك النوع من الإدمان، ويفيدك أن تقرئي ما ظهر على صفحتنا مشاكل وحلول للشباب مثل:
أختي بين خيوط العنكبوت.. مدمنة إنترنت!!
المواقع الساخنة.. الاستمناء.. وداعاً للإدمان

كما يفيدك أن تقرئي المشكلات التالية:
مخدوشة الحياء: مرةً صدفة، ومرةً…!
المشاهد الجنسية أم التجارب الجنسية؟
جذبتني أجساد النساء هل أنا شاذة؟

من المهم أثناء ذلك أن تحسني توبتك إلى الله، وأن تعملي على تحسين مستواك الدراسي لكي لا تسوء فكرتك عن نفسك، فالنجاح أساس النجاح، وإذا كنت قد نجحت في التخلص من إدمان الجنس الإلكتروني وأصبحت لا تشاهدين الصور ولا الأفلام الجنسية كما ذكرت لنا، فمعنى ذلك أنك قوية العزيمة، وتستطيعين وضع النجاح الأول في حياتك على الصعيد الدراسي رغم كل ما حدث مستفيدةً مما أحلناك إليه من روابط، وكذلك من رصيدك السابق في التفوق والتميز، ثم ابدئي عند انتهاء الفصل الدراسي واجتياز الامتحانات وبدء الإجازة في وضع خطة لكي يكونَ لك نشاط مثمرٌ مفيد على الإنترنت تنفعين به نفسك وأمتك الجريحة، واسألي الله أن يجعل منك عنصرا نافعا، واعلمي أن ما يشدك إلى الجنس هو أن الجنس غريزة والتعامل السليم معها يكونُ بالزواج، فإن لم يكن ذلك ممكنا الآن كما هو الحال في معظم مجتمعاتنا خاصة بالنسبة لمن تتابع دراستها، فإن التعامل السليم معها يكونُ بشغل النفس ومحاولة ملء الفراغ بما هو مفيد ونافع، من أجل تقليص المساحة التي يحتلها الجنس بين اهتمامات الإنسان.

إذن فأنا في انتظار متابعتك وإجابتك على ما سألتك عنه، كما لا يفوتني أن أنبه إلى ضرورة توعية أبنائنا وبناتنا قبل الدخول إلى عالم الإنترنت وتسليحهم بما يصح معه أن يحملوا مسئولية استخدام الإنترنت، وليس أن نمنعهم من استخدامها لأننا لن نستطيع، وإنما أن نعلمَ آداب وقواعد ركوبِ البحر لمن سيركبونه شئنا أم أبينا، فبنتنا وإن كانت مسئولةً عما حدثَ إلا أن مسئوليتها عنه ليست كاملةً؛ لأننا كأمة وكمجتمع لم نقم بما كان يجب علينا القيام به تجاهها.

وتضيف د.نعمت عوض الله:

ابنتي، لا تعذبي نفسك وتهولي من الموقف، إن جملة أحس بالضياع جملة كبيرة جدا على زهرة تتفتح للحياة، لقد أخطأت وليس في الكون بشر لا يخطئ وخير الخطائين التوابون، أي الذين يتوبون عن الخطأ ولا يعودون إليه.

وما انجرفت إليه في البداية كان مصيبة بكل معنى الكلمة، وتعالي ننظر إليها معا حتى نتمكن من إيجاد حل يجعلنا قادرين على التوبة الحقيقية التي ليس لها جزاء إلا الجنة.

من الطبيعي يا ابنتي أنه بعد البلوغ يصبح جسدك جسد امرأةٍ، أي أنك تمرين بفترات من الإثارة والرغبة والبحث عن الجنس الآخر، وهذا شيء فسيولوجي أي وظيفي للجسم يستوي فيه كل الناس من بدْء الخليقة، فإذا أضفنا إليه كمية المغريات والمثيرات الموجودة حولنا الآن في المجتمع تصبح المقاومة، وغض البصر، والبعد عن المحرمات من المواقف الصعبة التي تحتاج إرادة وحُسْن تفكير وقوة في قيادة النفس.

وعلى قدر المشقة يا ابنتي يكون الثواب، وأنت في لحظة ما قد استسلمت لشخص “سافل” أراد أن يروي رغبته هو الآخر فاستغلك أسوأ استغلال، وهذا بسبب صغر سنك وقلة خبرتك، وما يعنينا في هذا الأمر أنك شعرت بفداحة ما تفعلين؛ وبالتالي انقطعت عنه.

ومشكلتك الآن أنك عدت من جديد تبحثين عن هذا النوع من المتعة، وهذا ما يشعرك بالألم ووخْز الضمير، وبحثك عن المتعة أو الارتواء مفهوم كما شرحت لك في البداية أنه مطلب طبيعي للجسد، ومع معرفتك بكيفية الوصول إليها نتيجة للخبرة السابقة فأنت تدخلين على النت باحثة عمن يروي هذه الرغبة.

إذن يا ابنتي الرغبة شعور طبيعي، ولكن محاولة تلبيتها بما حرم الله هي المشكلة، فما العمل؟ الحل يا ابنتي أن تعتقدي أولا تمام الاعتقاد أن ما تحاولين ليس فقط خيانة لثقة الأهل وخيبة لأملهم فيك، ولكنه حرام، بمعنى يا ابنتي لو تصورنا أنك قُبضتِ وأنت تتحاورين مع شخص، أي قبضت روحك إلى بارئها، وهذا شيء وارد لكل الناس كبيرهم وصغيرهم ولا أحد يدري متى ولا كيف سيحدث؟ إذا قبضت يا ابنتي في هذه اللحظة فكيف ستواجهين رب العزة؟ وما ستقولين؟

فإذا تيقنت من حرمة ما تفعلين وضرورة الامتناع عنه.. أنصحك ببعض العوامل المساعدة: حاولي ألا تدخلي على النت إلا في أضيق الحدود، ولا أعتقد أن دراستك حاليا تحتاج إلى مثل هذا التعامل، ولو استطعت أن تنقطعي عنها تماما حتى تحصلي على إتمام الدراسة الثانوية يكون أفضل.

وقولي لنفسك إنك قادرة على تعويض تلك الفترة، واستعادة تفوقك الدراسي، وتحقيق أمل أهلك فيك، وكلما راودتك نفسك على تلبية هذه الرغبة وستراودك تذكري الحزن في عيون أهلك لو فشلتِ أو نقصتْ نسبة نجاحك.

وأنا أرى فيك شخصية قوية، فقد استطعت وحدك أن تمتنعي عن أشياء اعتدتها، إذن فأنت من أصحاب الهمم العالية والإرادة القوية، وخسارة أن تضيع شخصية مثلك ممكن أن يكون لها مستقبل باهر مشرق ومكانة عالية في المجتمع.

أنت قادرة على ذلك يا ابنتي، وتذكري لقاء الله لو كان هذا هو آخر ما فعلت قبل لقائه سبحانه وتعالى… طمئنيني عليك ، وأنا متأكدة أنني سأكون أول من يبارك بالتفوق إن شاء الله.