إعداد – محمد عبد الله يونس

ربما لم يعرف التاريخ دولة كروسيا فُتنت بالتوسع الجغرافي والتمدد الجيوسياسي؛ فهذه الدولة غيرت ثوبها الجغرافي وبدلت حدودها عدة مرات خلال الألف سنة الماضية. في كل مرة كانت روسيا تتقدم إلى مناطق أكثر عمقا وتتماسَ مع شعوب وحضارات أكثر تنوعا فتضم داخل أسوارها الحديدية مئات الملل والنحل ومئات أخرى من الألسن واللغات. ولعله لهذا السبب يمكن استحضار روسيا في الخريطة الذهنية كمفهوم “مكاني” لا “قومي”…

بهذه العبارة يفتتح د. عاطف معتمد عبد الحميد، الخبير المتخصص في قضايا الجغرافيا السياسية، كتابه: (استعادة روسيا مكانة القطب الدولي.. أزمة الفترة الانتقالية)، الصادر عن الدار العربية للعلوم ومركز الجزيرة للدراسات، والذي يحلل فيه المرحلة الراهنة التي تمر بها روسيا، كونها مرحلة انتقالية لا يمكن بأي حال الخروج منها بإجابات نهائية حول قدرة روسيا على العودة كقطب دولي بعد عقدين من الزمن، والتي أطلق عليها المؤلف “مرحلة تجميع الحجارة”.

ويضم الكتاب بين جنباته فصول ثلاثة، أولها يحمل عنوان “زمن تجميع الحجارة”، ويعرض للأساس الجغرافي السياسي للدولة الروسية. أما الثاني فيأتي تحت عنوان “العودة لساحة المعارك”، ويبحث فيه المؤلف مكانة الجيش الروسي ومحاولات إصلاحه ومناوراته في اتجاهات مختلفة، فضلا عن دور النفط والغاز الروسي في عودة قوة روسيا كونهما وسيلة للتحكم في امن الطاقة في مناطق نفوذها السابقة. فيما يعالج الفصل الثالث التنافس الروسي الأمريكي فيما أسماه الكاتب “مناورات الحديقة الخلفية”.

ينطلق المؤلف من فرضية رئيسية مفادها أن ثوابت الجغرافيا السياسية والخبرة التاريخية تحمل في طياتها مؤشرات بأن تراجع الدور الروسي على المستوى الدولي لم يكن سوى مرحلة أفول مؤقت، حيث لم تفقد روسيا المقومات التي أسهمت في تفردها بمكانة دولية متميزة على مدار تاريخها؛ فهي كبرى دول العالم مساحةً وتحتل المرتبة الثامنة في قائمة أكبر دول العالم من حيث عدد السكان ولديها مواد طبيعية وبيئية شاسعة الانتشار، وتحتل مكانة دائمة في قائمة الدول الخمس الكبرى في إنتاج الخامات المعدنية، ناهيك عن إدراك المواطن الروسي لأهمية الدور العالمي لروسيا مدعوماً بالتفرد الروسي على المستوي الثقافي والتاريخي.

ويرى المؤلف أنه لم يكن أحد الباحثين في العلاقات الدولية يتوقع أن تستعيد روسيا قدرا كبيرا من مكانتها الدولية في فترة لا تتجاوز العقدين من انهيار الاتحاد السوفيتي السابق عام 1991؛ فالتغيرات الهيكلية في النظام الدولي التي صاحبت تفكك الاتحاد السوفيتي لم يكن من الممكن معها توقع عودة روسيا لممارسة دور محوري على المستوى الدولي في ظل التداعيات السياسية والاقتصادية التي قوضت من مكامن القوة الروسية، ومصاحبة ذلك بقيام القيادة الروسية بالتقرب من الدول الغربية وتبنى سياسات ليبرالية دفعت الدور الروسي للمزيد من الانكماش للداخل تحت وطأة تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والنزعات الانفصالية التي اجتاحت الأقاليم الروسية.

ولكن تمكنت روسيا في عهد الرئيس السابق فلاديمير بوتين من تجاوز عثراتها لتعود من جديد كقوة محورية في النظام الإقليمي والدولي، فمنذ وصول بوتين إلى سدة الرئاسة في يناير 2000 بدأ في تحديث القوات المسلحة الروسية التي تأثرت سلباً بانهيار الاتحاد السوفيتي وتطوير الصناعة العسكرية الروسية واستعادة سيطرة الدولة المتآكلة على قطاع الطاقة بعد السيطرة على شركة غاز بروم الروسية، بما ساهم في تدعيم سيطرة روسيا على عمليات تصدير الغاز للدول الأوروبية، وهو ما عزز نفوذها الجيوسياسي بالتبعية. ومن جديد باتت المناوئة الروسية لتمدد النفوذ الأمريكي في محيطها الحيوي أحد ثوابت النظام الدولي لاسيما بعد توسع حلف شمال الأطلسي شرقاً وتبني إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش لمشروع الدفاع الصاروخي.

ألف عام من الصعود والهبوط

وبالعودة للتاريخ يلاحظ أن روسيا عرفت فترات عديدة من الهبوط، لكنها سرعان ما كانت تعود بقوة مرة أخرى على صعيد الأحداث العالمية؛ فقد تعرف الأوروبيون والعرب والآسيويون على الروس كقوة محلية مؤلفة من مجموعة من القبائل ذات الصلة بعشائر الفرنجية ذات الأصل الإسكندنافي في نهاية الألف العاشر الميلادي، ووجدت بيزنطة في هذه القبائل حليفا ضروريا لضمان أمن الحركة البرية للتجارة في القارة الأوروبية، في وقت كان الأسطول الإسلامي يهيمن على الطرق الملاحية في حوض البحر المتوسط، وسرعان ما تم تعميد الأمير فلاديمير حاكما على إمارة “روسيا كييف” في سنة 988م بمباركة من بيزنطة المسيحية.

وعلى مدى ثلاثة قرون تمكن احفاد فلاديمير من بسط نفوذهم في شرق أوروبا، متخذين من مدينة كييف (التي تعرف بأم المدائن في أوروبا) مركزا للتوسع والهيمنة، وأضحت إمارة روسيا قوة صاعدة بين القرنين العاشر والثالث عشر، وامتدت حدودها من شرق أوروبا ومشارف جبال الأورال، مرورا بتخوم البحر الأسود والقوقاز.

وفي منتصف القرن الـ 13 لم تصمد روسيا أمام الزحف المغولي وتوارى الروس كشعب مستقل وكدولة لها كيان سياسي لأكثر من قرنين من الزمان (1228 ـ 1462م)، وبعد غياب 234 سنة من خريطة العالم، تمكن أمير موسكو إيفان الثالث، او إيفان العظيم، (1462 ـ 1505م) من العودة بروسيا إلى خريطة القوى الإقليمية ويحقق الاستقلال عن المغول، وتبدأ معه مرحلة روسيا الموسكوفية، حين حلت موسكو محل كييف كمركز لذلك القطب الصاعد.

وبعد الاحتلال المغولي أدرك الروس معنى خريطة الإمبراطورية والتوسع الجغرافي؛ فكان القرن الـ 16 بمثابة القرن الذهبي لجغرافية روسيا السياسية، وتمكن الأمراء الروس من صناعة أكبر خريطة عرفها تاريخ روسيا، من خلال انتهاج مبدأ “ابتلاع الأعداء” وغزو وضم الأقاليم المجاورة، حتى إذا جاء عام 1613 تقلد ميخائيل الأول حكم إمبراطورية لم تكن بخلد أي من الأمراء السابقين. وعبر ثلاثة قرون لاحقة (حتى عام 1917) صارت روسيا قوة عالمية بعد أن أشعلت صراعات إقليمية للحصول على منافذ البحار في كل اتجاه، فأشعلت حروب بحر البلطيق في مطلع القرن الـ 18 لإقامة نافذة لها على أوروبا تمثلها مدينة سان يطرسبرج، وحاربت تركيا لاجل منفذ على البحر الأسود، ونجحت في تحويل بحر قزوين إلى بحيرة روسية، وأقامت ميناء فلاديفاستوك على المحيط الهادئ بعد احتلال أراض إلى الشرق من نهر آمور التي اقتطعتها من الصين في عام 1860.

وهكذا صارت روسيا واحدة من الأقطاب الدولية الكبرى التي دخلت في جبهات صراع مختلفة اختتمت بهزيمة متوقعة في الحرب العالمية الأولى أفضت إلى نشوب الثورة البلشفية عام 1917، والتي معها عاشت روسيا خمس سنوات من الترنح، واستقلال فنلندا وليتوانيا واستونيا ولاتفيا وبولندا وأوكرانيا ومولدوفا عن الإمبراطورية الروسية، والتي عادت جميعها لروسيا (باستثناء فنلندا) تحت غطاء الشيوعية.

وبعد الحرب العالمية الثانية صارت روسيا قطبا دوليا بامتياز يتنازع هذه المرة مع قطب واحد منافس هو الولايات المتحدة، وسرعان ما توجه الشيوعيون إلى ضم أراض شاسعة وإثنيات وقوميات متعددة في رقع جغرافية مترامية، واخترقت روسيا النجوم وسافرت عبر المحيطات، وهيمنت بحلول منتصف القرن العشرين على أكبر وأوسع مقاطعات العالم، من نهر الألب في وسط أوروبا إلى خليج كمتشتكا وشنغهاي وكوريا وفيتنام، وتمكنت الأحزاب الشيوعية من الوصول إلى السلطة حتى في أوروبا الغربية.

وظلت خريطة الاتحاد السوفيتي دون تغير منذ الحرب العالمية الثانية وحتى عام 1991، عام انفراط عقد الاتحاد السوفيتي، والذي انكمشت بعده مساحة روسيا التاريخية؛ فروسيا القيصرية بلغن نحو 23 مليون كم2، وروسيا السوفيتية بلغن 22.4 كم2، أما مساحة روسيا الفيدرالية اليوم فتبلغ 17.1 مليون كم2، ومع ذلك تبقى روسيا أكبر دول العالم مساحة الآن.

بقيت روسيا منذ العام 1991 وحتى 2008 بنفس مساحتها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لكنها عاودت الحرب مع جورجيا وحققت مكاسب جديدة تمثلت في اعتراف موسكو باستقلال جمهوريتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية اللذين من الناحية العملية يعدان ضمن خريطة روسيا الفيدرالية منذ أواخر العام 2008، وبهذا بدأت روسيا في العودة من جديد لاستعادة مكانة القطب الفاعل، لكنها لا شك تعاني من أزمة الفترة الانتقالية.

نهضة اقتصادية رأسمالية

لقد اتجهت غالبية التحليلات السياسية قبيل تولي الرئيس بوتين للسلطة في عام 2000 إلى أن مستقبل الدولة الروسية يتنازعه احتمالان لا ثالث لهما هما التفسخ والفوضى والفقر أو عودة الشيوعية.

وحينما ترك بوتين الرئاسة في عام 2008 لم يتحقق أي من الاحتمالين، وعلى النقيض استمرت روسيا مركزية ومتماسكة، وتصاعدت معدلات النمو الاقتصادي، وانتهت الشيوعية كأيديولوجية وكقوة سياسية إلى غير رجعة. وقد استفاد بوتين على مدار سنوات حكمه من ارتفاع أسعار النفط من 20 دولاراً في عام 2000 إلى 70 دولاراً في فترة رئاسته الثانية، وهو ما وفر موارد مالية لدعم الصناعة وأبحاث الفضاء وتحسين مستويات المعيشة وتسديد الديون الخارجية البالغة 170 مليار دولار بشكل منتظم، وزيادة الاحتياطي النقدي الأجنبي من 10 مليار دولار في عام 1999 إلى 120 مليار دولار في عام 2007، ثم إلى 200 مليار دولار في عام 2008.

تواكب ذلك مع معدلات للنمو الاقتصادي استمرت في مستوى يقارب 7% سنوياً لعشر سنوات متتالية قبل أن يتراجع تحت تأثير الأزمة المالية العالمية الراهنة إلى 5.6% بنهاية عام 2008، وزاد معدل نمو الاستثمار من 8.7% إلى 10%، وزاد حجم الإنتاج الصناعي ما نسبته 7% خلال فترة لا تتجاوز العامين، وارتبط ذلك بارتفاع حجم التبادل التجاري الخارجي لروسيا بنسبة 27% في عام 2006، وتصاعد حجم الصادرات الروسية من 354.4 مليار دولار في عام 2007 إلى حوالي 471.6 مليار دولار في عام 2008 لتشغل المرتبة التاسعة بين دول العالم من حيث حجم الصادرات، وتمكن الاقتصاد الروسي من تجاوز مرحلة الركود بما أسهم في تعزيز قدرة روسيا على تجاوز الركود الذي سيطر على اقتصادها الوطني لفترة طويلة.

الطاقة قاطرة النمو

ويعتبر قطاع الطاقة في روسيا قاطرة النمو التي دفعت الاقتصاد الروسي للازدهار في الآونة الأخيرة، حيث تمتلك روسيا أكبر احتياطي للغاز الطبيعي بما يوازي 47 تريليون متر مكعب، وتحتل المرتبة الثامنة عالمياً في احتياطات النفط بما يزيد على 60 مليار برميل، وهو ما أهلها لتصبح المصدر الأول للغاز الطبيعي وثاني مصدر للنفط بعد المملكة العربية السعودية.

وعلى الرغم من أن القدرات الصناعية الروسية جعلت من روسيا ثالث أكبر مستهلك للطاقة بعد الولايات المتحدة والصين، فإن ما يزيد عن 70% من إنتاجها اليومي البالغ 7 مليون برميل يتم تصديره، وتتجه صادرات النفط والغاز الروسية إلى دول أوروبا الشرقية والوسطى والصين واليابان وكوريا.

وتتحكم في إنتاج وتصدير النفط والغاز الروسي أربع شركات عملاقة هي: لوك أويل وغاز بروم وترانس نفت وروس نفت، بعدما تم تصفية أعمال شركة يوكوس العملاقة في عام 2003 لصالح شركات النفط الحكومية الروسية على أثر اعتقال رئيسها ميخائيل خودركوفسكي باتهامات بالتهرب الضريبي.

وتقف شركة غاز بروم الروسية على رأس قطاع الطاقة الروسي كنموذج للشركة الرأسمالية ذات النشاط الدولي بإنتاجها الذي يقترب من 20% من إجمالي الإنتاج العالمي للغاز، حيث تضخ غاز بروم نحو 25% من مجمل عائدات الضرائب في القطاعات الاقتصادية الروسية ويعمل فيها نحو 330 ألف شخص.

ولإدراك إدارة غاز بروم لتهديدات تناقص الاحتياطي الروسي، اتجهت للاستثمار خارج روسيا لاسيما في شمال إفريقيا وشرق آسيا، بالإضافة إلى مشاركتها لأرامكو السعودية للتنقيب عن الغاز في شمال الربع الخالي.

وتمثل روسيا منفذاً لتصدير الغاز للدول الحبيسة، وفي مقدمتها تركمنستان التي تصدر عبر روسيا نحو 67% من إجمالي إنتاجها من الغاز، وقد حاولت روسيا تشكيل تحالف للدول المصدرة للغاز على غرار منظمة الدول المصدرة للبترول، وضم هذا التحالف في نواته روسيا وإيران وقطر، بحيث يضمن في مرحلته التأسيسية تصدير الغاز الإيراني عبر الخليج العربي إلى قطر ليتم تسييله ومن ثم يجد طريقه للسوق الدولي، مستفيدا من علاقات قطر الجيدة مع الغرب مقارنة بإيران، وتكمن أهمية ذلك التحالف في امتلاك الدول الثلاث حوالي 57% من الاحتياطي العالمي للغاز الطبيعي.

وتعتمد الدول الأوروبية على إمدادات الطاقة الروسية بنسبة لا تقل في المتوسط عن 30% ويتوقع أن ترتفع إلى 70% في عام 2030. وتعد ألمانيا في مقدمة الدول التي تعتمد على الغاز الروسي بنسبة 32% من إجمالي استهلاكها من الطاقة، بينما تعتمد بولندا على الغاز الروسي بنسبة 65% من إجمالي احتياجاتها من الطاقة.

وتكمن أهمية إمدادات الغاز الروسية للقارة الأوروبية في سيطرة روسيا على 154 ألف كم من أنابيب الغاز في القارة الأوروبية، وهو ما دفع عدد كبير من المحللين والخبراء في الدول الغربية للتحذير من خطورة السيطرة الروسية على إمدادات الطاقة في أوروبا لاسيما بعد تكرار أزمة وقف موسكو تصدير الغاز عن أوكرانيا ووسط أوروبا منذ يناير 2006 بعد ادعاءات روسية بعدم دفع كييف السعر المناسب، ناهيك عن قيام الكرملين بعقد صفقات لفترات طويلة الأجل مع عدد من دول آسيا الوسطى لاحتكار توريد الغاز للدول الأوروبية بأسعار تصل إلى 340 دولار لكل ألف متر مكعب وهو ما يزيد على السعر العالمي للغاز الذي لا يتجاوز 240 دولاراً، و هو ما قد يدفع روسيا لإيقاف ضخ الغاز عن أوروبا في عام 2010 لرفع سعره وتعويض خسارتها.

تدعيم القوة العسكرية الروسية

أظهرت الهزيمة الروسية في حرب الشيشان الأولى بين عامي 1994 – 1996 الحاجة إلى إصلاح القوات المسلحة الروسية لاسيما بعدما ترك حوالي 100 ألف ضابط العمل في الجيش وأصبحت الوحدات الروسية تعاني من عجز في الفنيين والمتخصصين واختلال التركيب القيادي للجيش مع تصاعد عدد الرتب العسكرية العلوية مقارنة بالجنود وتقادم غالبية المعدات العسكرية الروسية، بالتوازي مع الانهيار الاقتصادي الذي شهدته روسيا في أغسطس 1998، ومن ثم بدأت روسيا برنامج إصلاح بعد تولي بوتين الرئاسة في عام 2000 تحت إشراف وزير الدفاع الروسي آنذاك سيرجي إيفانونف.

وشهدت ميزانية برنامج التسليح زيادة مضطردة؛ ففي غضون سنوات قليلة تصاعدت من 25 مليار دولار إلى 150 مليار دولار لاستبدال 50% من الأسلحة الروسية القديمة بحلول عام 2015 وتطوير أجيال جديدة من الصواريخ العابرة للقارات والتي أعلنت روسيا في عام 2007 أنها ستكون قادرة على اختراق الدرع الصاروخي الأمريكي. كما تتجه موسكو لتخفيض العدد الإجمالي لقواتها المسلحة ليصل إلى مليون جندي في عام 2012 بما يستلزم إغلاق عشرات المؤسسات العسكرية وإحالة ما يتراوح بين 150 إلى 350 ضابط للتقاعد.

وعلى مستوى مبيعات السلاح، فإن روسيا تحتل حالياً المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة في تصدير السلاح، فبينما تسيطر الولايات المتحدة على حوالي 40% من صفقات تصدير السلاح على المستوى العالمي، فإن روسيا سيطرت على حوالي 20% من صادرات الأسلحة عالمياً، وتوجه صادرات الأسلحة الروسية إلى أربعة أقاليم أساسية هي (آسيا بنسبة 62% من إجمالي صادرات الأسلحة الروسية، والمنطقة العربية بنسبة 15%، والقارة الإفريقية بنسبة 9%، وأمريكا اللاتينية بنسبة 2%). وتعود المرتبة المتقدمة لمبيعات السلاح الروسي إلى الأسعار المتدنية نسبياً بالمقارنة بنظيرتها الغربية وعدم وجود مشروطية أو انتقائية في اختيار الدول التي يتم تصدير السلاح إليها بالمقارنة بالولايات المتحدة، وتدر مبيعات السلاح على الاقتصاد الروسي ما يتراوح بين 7 و 9 مليار دولار سنوياً.

مواجهة اختراق شرق أوروبا

على مدار ما يقرب من عقدين خلال الفترة بين عامي 1991 و2009 واجهت روسيا اختراقاً لمجالها الحيوي من جانب حلف شمال الأطلنطي في ظل سياسته للتوسع شرقاً. وتمثلت أهم معالم ذلك الاختراق في انضمام بولندا لحلف الناتو في عام 1993 وتوجيه حلف الناتو لضربة عسكرية ليوغوسلافيا في عام 1999 وعجز روسيا عن تقديم الدعم للأشقاء من السلاف الجنوبيين، وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وتبني إدارة الرئيس بوش سياسة الحرب الاستباقية تمكنت الولايات المتحدة من تحويل أفغانستان لأكبر تجمع للقواعد العسكرية لحلف الناتو، وهو ما يعني مزيداً من اختراق منطقة النفوذ الروسية.

ومما عزز قناعة موسكو بأن الولايات المتحدة لا تزال تتبع سياسة الاحتواء الجغرافي حيالها إعلان حلف الناتو في عام 2002 عن ضم أربع دول من شرق أوروبا هي رومانيا وبلغاريا وسلوفاكيا وسلوفينيا، إضافة إلى دول البلطيق الثلاث: استونيا وليتوانيا ولاتفيا؛ وهو ما دفع موسكو للقبول بعضوية الحلف بصفة مراقب في عام 2002 لأسباب برجماتية، وعقب الثورة البرتقالية المدعومة من الغرب في عام 2004 ازداد الحلف تقارباً مع أوكرانيا وبدأت في تنظيم مناورات منتظمة مع القوات الأوكرانية على مقربة من القاعدة العسكرية الأوكرانية في ميناء ستيفاستبول التي يؤجرها الأسطول الروسي.

ولهذا بدأت المناوئة الروسية للولايات المتحدة في التصاعد منذ عام 2006 خلال مؤتمر ميونخ للأمن عندما انتقد الرئيس الروسي الأسبق فلاديمير بوتين النهج الأحادي لإدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش فيما يتعلق بنشر الدرع الصاروخي الأمريكي في بولندا والتشيك بما يهدد توازن القوى في القارة الأوروبية، وتفاقمت الخلافات الروسية الأمريكية حول تلك القضية، ما دفع موسكو لإلغاء معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا ومعاهدة الحد من انتشار الصواريخ الباليستية متوسطة المدى من طرف واحد، فضلاً عن تهديد روسيا بين عامي 2007 و2009 بنصب صواريخ إسكندر قصيرة المدى التي يصل مداها إلى 480 كم لتوجيهها لبولندا ودول شرق أوروبا التي سيتم فيها نشر منظومة الدرع الصاروخي، وأعلن الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف أن القوات الروسية ستتخذ من كاليننجراد مركزا للتشويش الإلكتروني على منصات الصواريخ الأمريكية في أوروبا.

كما أثار استمرار حلف الناتو في التوسع شرقاً اعتراض روسيا لاسيما بعد الموافقة في إبريل 2008 على ضم ألبانيا وكرواتيا للحلف والبحث في إمكانية ضم أوكرانيا وجورجيا في المستقبل، وهو ما دفع روسيا لاختراق جورجيا عسكرياً في أغسطس 2008 عقب شن تبليسي لهجوم على إقليم أوسيتيا الجنوبية الانفصالي المدعوم من جانب موسكو، بما صاحبه إدانة واسعة النطاق من جانب الولايات المتحدة والدول الأعضاء في حلف الناتو. واستهدفت موسكو من ذلك التدخل العسكري استعادة قدرة الردع الروسية في شرق أوروبا وبث رسالة مفادها أنها لا ولن تقبل باستمرار توسعات حلف الناتو في مجالها الحيوي.

مناورات الحديقة الخلفية

وعلى مستوى آخر اتجهت موسكو للمناورة بطريقة عسكرية بالسعي لاختراق منطقة النفوذ الأمريكية في أمريكا اللاتينية، حيث توجهت بعض القطع البحرية من الأسطول الروسي مدعومة بقاذفات إستراتيجية من طراز تي يو – 160 إلى فنزويلا لإجراء مناورات عسكرية بعدها زارت القطع البحرية الروسية كوبا وفنزويلا ونيكاراجوا في عام 2008 الذي شهد عقد صفقات تسلح بموجبها أمدت روسيا فنزويلا بعدد من الطائرات المقاتلة بالتوازي مع العلاقات الوثيقة مع كوبا، والتي تم تتويجها بتوقيع الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف اتفاقيات ثنائية في مجالات الصناعات الدوائية والنقل والسياحة والسماح لشركات النفط الروسية بالتنقيب عن النفط في مياه الخليج المكسيكي.

وعملت موسكو على تشجيع دول شرق أوروبا وآسيا الوسطى لتقليص التعاون العسكري مع الولايات المتحدة في مقابل تقديم مزايا تجارية تفضيلية أو دفع مقابل مادي ملائم، وهم ما أسفر عن قيام أوزبكستان في عام 2005 بإنهاء الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها.

وفي السياق ذاته نجحت موسكو في إقناع قرغيزيا في مطلع عام 2009 بإغلاق القاعدة العسكرية الأمريكية التي أقيمت على أراضيها منذ عام 2001، وذلك حين أعلن الرئيس القرغيزي كرمان بك بكاييف في ختام زيارته لموسكو قرار إغلاق قاعدة ماناس الجوية التي استخدمها حلف الناتو لإحكام السيطرة على أفغانستان.

واتجهت روسيا لتشكيل تحالف مضاد لحلف الناتو للتصدي لاختراقه لمجالها الحيوي، فدعمت موسكو في عام 1996 تدشين منظمة شنغهاي للتعاون بعضوية روسيا وطاجيكستان وكازاخستان وقرغيزيا والصين وأوزباكستان، كتكتل إقليمي يهدف إلى الرفاهية الاقتصادية لشعوب آسيا الشمالية والوسطى، إلا أن الأهداف الرئيسية للمنظمة كانت ذات طبيعة أمنية وعسكرية بحيث بدأت دولها الأعضاء بتخفيض عدد قواتها على حدودها المشتركة، ودفعت توسعات حلف الناتو في شرق أوروبا وآسيا الوسطي روسيا لتحويل شنغهاي من منتدى اقتصادي إلى تحالف شبه عسكري، وهو ما اتضح في أغسطس 2007 لدى إجراء مناورات عسكرية مشتركة بين الدول الأعضاء في المنظمة في جبال الأورال، بالتوازي مع عقد قمة منظمة شنغهاي في بشكيك بقرغيزيا، والذي تبعه إجراء مناورات عسكرية مشتركة في مدينة فهر أباد في طاجيكستان عام 2009 على الرغم من أن تلك المناورات جرت تحت شعار مكافحة الإرهاب الدولي والحركات الانفصالية.

ولموازنة تمدد حلف الناتو نحو روسيا، سعت موسكو للتوسع في مناطق جيوسياسية جديدة لاسيما المحيط القطبي الشمالي بالنظر إلى ثرواته الطبيعية من النفط والغاز التي لم تستكشف بعد، وهو ما وضع روسيا في مواجهة الولايات المتحدة وكندا والدنمارك والنرويج لعدم وجود توافق حول الوضع القانوني للمحيط القطبي، لأن تطبيق قواعد القانون الدولي للبحار سيؤدي لاحتفاظ كل دولة بامتداد حدودي لا يتجاوز 370 كم وترك منطقة مساحتها 1.7 مليون كم كمياه دولية مفتوحة، ومما أسهم في تصاعد التوتر بين الدول المطلة على المحيط القطبي الشمالي قيام روسيا باستعراض قدراتها العلمية والعسكرية في عام 2007 من خلال إرسال بعثة علمية استكشافية هدفها الأساسي يتعدى حدود الاستكشاف العملي إلى تأكيد أن حدود الجرف القاري الروسي يمتد من جزر نوفو سيبرسك حتى أعماق القطب، وتمكنت البعثة من غرس العلم الروسي في عمق المحيط القطبي المتجمد على عمق 4000 متر، وهو ما دفع النرويج لرسم خرائط ملاحية للقطب الشمالي للكشف عن المنطقة التي تتبع جيولوجيا جزيرة جرينايلاند التابعة لها، وقد تكلف هذا النشاط  الروسي حوالي 40 مليون دولار.

هل عادت القطبية الثنائية من جديد؟

بعد كل هذه المؤشرات لمكامن القوة الروسية، فإن السؤال المطروح حالياً بقوة هو: إلى أي مدى تمكنت روسيا من استعادة مكانتها التاريخية كقطب دولي؟، وهل يمكن اعتبار المسارات السابقة للسياسة الخارجية الروسية مؤشرات دالة على عودة مكانة روسيا الدولية إلى ما كانت عليه قبيل انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991؟.

في هذا الصدد يمكن القول إن روسيا استعادت جانبا كبيرا من مكانتها وهي لا تزال تمتلك مقومات الدولة الكبرى، لذا فإن اضطلاعها بدورٍ محوري في النظام الدولي لا يمكن الاختلاف عليه، ولكن روسيا لم تستعد مكانتها السابقة كقطب دولي بالنظر إلى مواجهتها لعدد من الإشكاليات الرئيسية تتمثل فيما يلي:ـ

أولا: الخلل الديموغرافي الذي تتعرض له روسيا على عدة مستويات أهمها: تركز السكان في الثلث الغربي من روسيا في مقابل تقلص الكثافة السكانية في الشق الشرقي (سيبيريا) وتناقص عدد السكان في روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي بما يقدر بحوالي 7 مليون نسمة، وتناقض أعداد السكان من ذوي الأصول السلافية بمعدلات سنوية تتراوح بين 4% و7%، في مقابل الزيادة السنوية للسكان ذوي الأصول القوقازية بنسبة 13%؛ وهو ما يثير مخاوف عدد كبير من أعضاء التيارات القومية الروسية وخاصة مع تصاعد عدد المهاجرين الأجانب إلى روسيا في عام 2008 إلى 7 ملايين؛ مما دفع القوميين المتعصبين لرفع شعارات من قبيل “روسيا للروس فقط” وتصاعد ممارسات الممارسات العنصرية والعنف ضد الأجانب.

ثانيا: تعاني الديمقراطية الروسية من جوانب قصور هيكلية، نتيجة سيطرة حزب روسيا الموحدة على مجلس الدوما الروسي واحتكاره للسلطة السياسية واتباع نهج الاغتيال السياسي والتصفية الجسدية للمعارضين من قبيل اغتيال الصحفية الروسية أنا بولتيكوفسكايا في أكتوبر 2006 والسعي لتفتيت المعارضة السياسية واتهامها بالفساد والعمالة على غرار ما حدث مع رئيس الوزراء الروسي الأسبق ميخائيل كاسيانوف أو اعتقال رموز المعارضة مثل ميخائيل خوردفسكي ممول كتلة يابلانكا الليبرالية ورئيس شركة يوكوس النفطية الذي اعتقل في عام 2003 باتهامات تهرب ضريبي. وفي هذا السياق سجلت المنظمات الدولية في الانتخابات الرئاسية الروسية في عام 2008 ممارسات غير تنافسية متعددة وعمليات تزييف للنتائج، بما دفع المعارضة الروسية لوصف الانتخابات بأنها بمثابة تعيين من جانب بوتين لميدفيديف.

ثالثا: التعددية العرقية والدينية وانخفاض مستوى معيشة الأقاليم البعيدة عن المركز يؤدي لتعزيز النزعات الانفصالية في الأقاليم الروسية المختلفة وخاصة الشيشان التي خاضت حربين شرستين ضد القوات الروسية بين عامي 1994 و2004؛ وهو ما دفع موسكو لاتباع نهج مركزي يقوم على عدم التخلي عن سلطوية النظام الحاكم للحيلولة دون نجاح أي من الجماعات الانفصالية في الانسلاخ عن الدولة المركزية أو الانفراد باستغلال الثروات الاقتصادية في الأقاليم التي تقطنها.

رابعا: يواجه قطاع الطاقة الروسي عدة إشكاليات أهمها تذبذب الأسعار عالمياً وتقادم خطوط الأنابيب الروسية التي يتم من خلالها تصدير الغاز المسال وتصاعد احتمالات حظر التعامل مع ناقلات النفط الروسية من جانب الدول الأوروبية لعدم مراعاتها للمعايير البيئية، ناهيك عن توقع نضوب النفط الروسي في فترة تتراوح بين 12 و35 سنة على أقصى تقدير، وتحاول تركيا تقديم نفسها كبديل لروسيا في تأمين الواردات النفطية للقارة الأوروبية من خلال عقد تحالفات مع الدول المنتجة للغاز مثل أذربيجان والدول المستهلكة في جنوب أوروبا مثل اليونان وإيطاليا سعياً من جانبها لتمرير الغاز الأذاري لأوروبا عبر خط باكو – تبليسي – أرضوم المقرر الانتهاء منه في عام 2015.

خامسا: لا تتسم منظمة شنغهاي للتعاون بالتماسك بين أعضائها لاختلاف أهداف الدول الأعضاء بها، فبينما تسعى موسكو لإنشاء تجمع عسكري آسيوي يواجه الاختراق الأمريكي لشرق أوروبا ووسط آسيا، فإن الصين تستهدف استغلال المنظمة للحصول على مزايا تجارية تفضيلية وإتاحة الفرصة أمام شركاتها للتنقيب عن النفط وتأمين تدفق واردات طاقة إضافية إليها، ويرتبط ذلك بأزمة الثقة بين الدول الأعضاء في المنظمة ومخاوف دول آسيا الوسطى من مساعي كل من روسيا والصين للهيمنة الإقليمية واستغلال مواردها الطبيعية.

كما أن اختراق موسكو لأمريكا اللاتينية لا يشكل تهديداً كبيراً للولايات المتحدة لافتقاد التواصل البري وعائق اللغة، مقارنة بالتقارب الجغرافي بين مناطق النفوذ الأمريكية التقليدية في تركيا والشرق الأوسط وأوروبا الغربية والمناطق التي اخترقها حلف الناتو بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى.

وختاماً يمكن القول إن روسيا الصاعدة، وإن لم تتمكن من استعادة موقعها التقليدي في النظام الدولي، فإنها حققت تقدماً ملحوظاً على المستويين الاقتصادي والعسكري وتجاوزت في غضون فترة وجيزة أزماتها الاقتصادية والاجتماعية لتعود من جديد لاعباً رئيسياً على مسرح دولي يشهد تغيرات هيكلية بوتيرة متسارعة.. ولذا ليس غريبا أنه لا تكاد مشكلة جيوسياسية في العالم إلا ولروسيا كلمة فيه. تقابلنا روسيا حين نراجع الأزمة النووية الكورية أو الإيرانية، وتقابلنا حين نتابع سباق اللاعبين الدوليين الرئيسيين في سوق السلاح، وفي أزمات البح الكاريبي، وفي تصدير النفط والغاز، وفي الصراع العربي – الإسرائيلي، بل حتى في مشهد تفصيلي داخل دولة عربية أو أخرى يخص جماعة دينية نجد روسيا حاضرة تبدي الرأي وتتخذ القرارات.

وإذا ما راجعنا التنافسات الروسية الحالية مع مراكز القوة العالمية حول البحر الأسود، وبحر قزوين، وبحر البلطيق، والصراع على السيادة في شمال المحيط الهادئ مع اليابان، والتنافس مع الصين للسيطرة على آسيا الوسطى، فضلا عن تشابك المصالح في أوروبا الشرقية، ربما نندهش أن كافة هذه المشاهد تستند، كما جاء سابقا، من ممارسات مشابهة جرت قبل ثلاثة قرون على الأقل.

ولذا تصدق بالتالي مقولة ليليا شيفتسوفا، الباحثة بمركز كارنيجي الأمريكي، حين قالت في عام 2006: “ما زالت روسيا اليوم قادرة على المسير، وهي تمضي رغم نكساتها وآلامها نحو المستقبل.. قد تبدو في سيرها عرجاء، إلا أنها تتحرك نحو الأمام”.


*عرض كتاب: “استعادة روسيا مكانة القطب الدولي.. أزمة الفترة الانتقالية” للمؤلف د. عاطف معتمد عبد الحميد، سلسلة أوراق الجزيرة رقم 12، الناشر: الدار العربية للعلوم ومركز الجزيرة للدراسات، الطبعة الأولى، 2009.