جيوتي توتام

ترجمة وتحرير – د. عاطف معتمد عبد الحميد

Image على المنحدرات الجبلية لأعلى القمم الشاهقة التي تمثل سقف العالم، تترامى جبال الهيمالايا والتبت وكشمير.. هنا تبلغ الحرارة درجة التجمد، وتهب عواصف ثلجية قاتلة، ويبدو المشهد كأن الأشباح وحدها هي القادرة على البقاء في هذه الأصقاع.
لكن في قطاع من جبال الهيمالايا محشور بين ولاية أروناتشال براديش في شمال شرق الهند من ناحية والصين من ناحية أخرى، ترفع التدريبات العسكرية الهندية والصينية من درجة الحرارة، وتزداد سخونة الأجواء، فزجاجات الخمر الفارغة، وأعقاب السجائر التي تركها جنود دوريات الخدمة تؤكد أن بين

اضغط للتكبير

هذا الصقيع حراكا واضطرابا، ومع الصعود إلى أعالي الجبال تزداد دلالات التوتر مع مراقبة الجيشين الصيني والهندي للمنطقة الحدودية غير المتفق على ترسيمها بعد بين الدولتين.
لم تكن الهند والصين يوما متقاربتين، لكنهما مؤخرا اشتركتا معا في جولات لتدعيم الثقة الدبلوماسية والنقاشات المتبادلة، لكن هذه الثقة سرعان ما تتبدد مع أية مواقف معادية حتى لو كانت رمزية الطابع. ففي سبتمبر 2009 أرسلت الهند إشارة مرحبة بالزيارة التي أعلنها الدلاي لاما لمدينة تاوانج الحدودية، والتي تحتوي على موقع شهير لأحد أديرة الديانة البوذية، وهي الخطوة التي اعتبرتها الصين انتهاكا للعلاقات الدبلوماسية بين الطرفين. كما اعترضت الصين حينها على زيارة رئيس الوزراء الصيني مانموهان سينغ إلى ولاية أروناتشال براديش الهندية، مدعيةً أنها كانت جزءا من التبت التي تتبع الصين.

على هذا النحو تعتبر الصين أن الهند تتعمد الإساءة إليها، بينما تستغرب الهند رد الفعل الصيني؛ لأنها لا تفعل أكثر من ممارسة سيادتها على أراضيها، وكأن على القادة الهنود ألا يذهبوا إلى زيارة إقليم أروناتشال براديش إلا بعد استئذان الجانب الصيني.

في المقابل تعترض الهند على إقامة الصين محطة للطاقة في القطاع الباكستاني من كشمير، وهو الإقليم الذي تدعي الهند تبعيته لسيادتها، ومع هذا يخشى كثيرون أن تتحول الحرب الكلامية بين الدولتين إلى اندلاع اشتباك بينهما، وهو ما يجعل الوضع على الحدود بالغ التوتر.

تشترك الهند والصين في حدود يبلغ طولها 3500 كم، وتمتد هذه الحدود في الجانب الهندي عبر ولايات الشمال الشرقي التي تمثل بؤرة من بؤر التوتر والاضطراب، وصولا إلى الأنهار الجليدية في منطقة لاداخ، عند حافة كشمير.

وعلى الجانب الصيني، تتميز المنطقة الحدودية باضطراب مماثل، وليس أدل على ذلك من اضطرابات إقليمي التبت وتشنجيانج، والإقليم الأخير وطن المسلمين الإيغور الذين خاضوا صدامات عنيفة مع الصينيين في عام 2007 ثم في عام 2009.

وقد خاضت الصين والهند حربا قصيرة في عام 1962، وذلك حين استولت الصين على إقليم هندي خلال حرب خاطفة ومهينة للهند، ثم تناوش الجانبان مرة أخرى في عام 1967، لكن منذ عام 1993 تتعامل الدولتان بشكل سلمي بدرجة أو بأخرى على طول المنطقة الحدودية غير المرسمة بينهما بشكل نهائي، وما يشغل الجانبان اليوم ليس إقليما متنازعا عليه بقدر ما بينهما من تنافس قديم للتأثير على الساحة الدولية واحتلال مكانة عالمية.

ومنذ التوقيع على اتفاق للطاقة النووية السملية في عام 2008 بين كل من الولايات المتحدة والهند، أصبحت بكين -وبشكل متزايد- غير مرتاحة لأجراس النمو الاقتصادي الهندي، وعلى نحو ما يذهب “موهان جوروسوامي” الباحث الهندي في كتابه “مطاردة التنين”، والذي يعالج التنافس الاقتصادي بين الدولتين، فإن ما يجري بين الدولتين هو نوع من التنافس بين نظامين، أحدهما فوضوي غير خاضع لضبط سلطوي كامل تمثله الهند والآخر بالغ التنظيم ومفرط في الضبط السلطوي تمثله الصين.

وتستمر المنافسة قائمة مع محاولة الولايات المتحدة الحفاظ على علاقة وثيقة مع الجانبين، وذلك في خضم لعبة التوازنات الصعبة التي قد تتحول لتصبح أكثر التحديات الجيوبوليتيكة التي تواجه الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين.

وتعتبر البلدة الهندية المعروفة باسم تاوانج بؤرة التوتر المحتملة لأية مواجهة هندية- صينية في المستقبل؛ فقد كانت هذه البلدة نقطة المواجهة العسكرية حين دخلت القوات الصينية الهند خلال حرب عام 1962. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت تاوانج المركز الرئيسي لقوات حرس حدود الجيش الهندي، وينتشر الجنود فيها بشكل لا يمكن للعين أن تخطئه، فعدد القوات المسلحة في البلدة يبلغ نحو 15000 جندي من بين 80000 نسمة هم سكان البلدة والمناطق المحيطة بها.

ويقول “تشومباي كي” من سكان بلدة تاوانج: “إن الجيش يمثل العمود الفقري للأعمال التجارية المحلية، فحين يعود الجنود لأوطانهم في داخل الهند يشترون الهدايا التذكارية من هنا، وفي معظم الوقت يشغل الجنود أنفسهم بتدريبات عسكرية في المزارع والبساتين المحلية، لكن من وقت لآخر تزداد الأمور سخونة، ففي الصيف ضغطت الصين على الهيئة المسئولة عن بنك التنمية الآسيوي لإيقاف تعاونه مع الهند، وكان البنك سيقدم للهند قرضا زعمت الصين أنه سيوجه في الأساس لتغطية نفقات مشروع التحكم في الفيضانات المائية بولاية أروناتشال براديش، الأمر الذي سيدعم من إدارة الهند البيئية والاقتصادية في إقليم تعتبره الصين تابعا لها”.

وقد أعلن الحاكم الهندي لولاية أروناتشال براديش، وهو عسكري متقاعد برتبة جنرال، أن بلاه ستوجه أكثر من 50000 عسكري إلى الولاية. وحتى قبل اتخاذ هذا القرار قامت الهند في إقليم من جبال التبت (ضمن ولاية أروناتشال براديش) بتدريبات عسكرية واسعة شارك فيها أكثر من 50000 جندي.

ويرتبط الصراع بحجم البنية الأساسية، فكما اعترضت الصين على مشروع التحكم في مشروع التحكم في مياه الفيضانات في أروناتشال براديش، طالبت الهند الصين بإيقاف العمل في محطة كوهالا Kohala في القطاع الباكستاني من كشمير، وبالنسبة للهند، يعد النزاع على كشمير الذي يزيد عمره الآن عن 62 عاما بنفس درجة حساسية قضية التبت بالنسبة للصين.

وتعد محطة كوهالا جزءا من جهود منتظمة تقوم بها الصين لتأكيد وجودها على أطراف شبه القارة الهندية، فضلا عن سعي الصين هناك لمنازعة الهند وتهديد مكانتها كلاعب أساسي في جنوب آسيا.

وفي كل من باكستان وسريلانكا، تقوم الصين بتمويل إنشاء موان جديدة. وفضلا عن ذلك قام وزير الخارجية الصيني بزيارة نيبال في ديسمبر الماضي للبدء في مشروع لإنشاء خط مواصلات رئيسي يربط وسط نيبال بالصين، وبعدها مباشرة أعلنت الصين عن خطط لمد الطريق الرئيسي المثير للجدل المخترق للتبت ليصل إلى حدود نيبال.

وتحاول الهند الرد بالمثل على المشروعات والمواقف الصينية؛ فبعد أن وافقت الصين على تطوير حقل نحاس ضخم في أفغانستان، تعهدت الهند بمنح أفغانستان بليون دولار لتطوير العاصمة كابول.

ويبلغ حجم الاقتصاد الصيني نحو ضعف نظيره الهندي، ويشعر المسئولون الهنود بقلق بسبب تلك الفجوة، وتبدو تلك الفجوة في حجم تطوير البنية الأساسية بين البلدين، ففي الاجتماع الذي يعقد مرتين في السنة بين قادة الجيشين في المنطقة الحدودية بولاية أروناتشال براديش، فإن القادة الهنود يأتون في سيارات دفع رباعي مخصصة لصعود تلك المنطقة الجبلية الوعرة، أما نظراؤهم الصينيون فيأتون عبر سيارات سيدان الفارهة، ذلك لأن الطريق السريع من الجانب الصيني ممهد ومرصوف على أعلى درجة من التأهيل، وهذه تفاصيل صغيرة يعترف الضباط الهنود أنها تسبب لهم ألما وحرجا أمام الجانب الصيني.

وفي حرب عام 1962 كانت البنية الأساسية الصينية من الطرق والجسور هي التي كفلت للجيش الصيني التحرك بخفة وسرعة مخترقا الأراضي الهندية، ويشعر البعض في الهند بالقلق؛ نظرا لأن بعض محاور البنية الأساسية التي تقيمها الهند في جبال الهيمالايا في قطاع أروناتشال براديش (كمحطات الطاقة) قد تتعرض في أي وقت لهجوم واستيلاء من قبل الصين إذا ما اندلعت حرب قريبة في الإقليم.

ولا يمكن فصل ذلك عن اللعبة الجيوبوليتيكة الكبرى على المستوى العالمي؛ فموقف الصين الحالي في مواجهة الهند لا يمكن فصله عن العلاقات الصينية- الأمريكية اقتصاديا، خاصة أن لدى الصين نحو ما يقرب من 800 بليون دولار من السندات المالية في الخزانة الأمريكية.

ورغم أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما يحاول أن يأخذ مطالب الجانب الصيني في الاعتبار خاصة في تحديد موقفه من قضية التبت والدلاي لاما، فإن الولايات المتحدة تمضي مع ذلك بخطى متسارعة لدعم تعاونها مع الهند، فقد سمحت واشنطن لشركات أسلحة أمريكية بالتعاون المفتوح مع الهند خاصة في مجال بيع المقاتلات الجوية واستبدال محركات الطيران القديمة، وكلما زاد التوتر بين الهند والصين استفادت شركات بيع الأسلحة من الولايات المتحدة إلى الهند، وكان آخرها صفقة بلغت قيمتها المعلنة 5 بلايين دولار، وذلك لتحديث محركات المقاتلات الجوية الهندية.

على هذا النحو تبدو الأوضاع في سقف العالم المتجمد (حيث الهيمالايا والتبت) بالغة السخونة وقابلة للاشتعال، ففي هذه القمم الجبلية المرتفعة تتزايد الاحتمالات بأن يصطدم الفيل الهندي البطيء الحركة الثقيل الوزن بالتنين الصيني الخاطف الهجوم المتأهب للانقضاض.

الرئيسة السابقة لتجمع صحفيي جنوب آسيا (ساجا)، محررة مرموقة بمجلة التايم.
*مقال نشر بمجلة التايم تحت عنوان“الصين في مواجهة الهند.. هل يقود التنافس إلى حرب؟، عدد نوفمبر 2009.