إبراهيم الهضيبي

في يوم 29 من أغسطس 1966 تلقى الرئيس المصري جمال عبد الناصر رسالة من الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز يتوسط فيها للعفو عن سيد قطب الذي قضت المحكمة العسكرية بإعدامه، فطلب ناصر من معاونيه إعادة عرض الرسالة عليه في صباح اليوم التالي، وأمر بتنفيذ حكم الإعدام في تلك الليلة، حتى يعفي نفسه من الحرج، وحتى لا يضطر للعفو عن قطب إكراما للملك فيصل.

وفي طريقه للمشنقة رد قطب بكلمات خالدة على من طلبوا منه أن يكتب تأييدا لناصر مقابل العفو عنه فقال: إن إصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة يأبى أن يكتب كلمة يتقرب بها لحاكم طاغية، فإن كنت مسجونا بالحق فأرتضي حكم الحق، وإن كنت مسجونا بالباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل.

وهكذا سيق المفكر الإسلامي الكبير إلى حبل المشنقة مرفوع الرأس شجاعا مصرا على عدم التراجع عما اقتنع به وعمل من أجله.

العلاقة بين التنظيم والمجتمع 

والحقيقة أن لي تحفظات كثيرة على كتابات سيد قطب -رحمه الله- وعلى أفكاره، وقد بحثت فيها طويلا بعد قراءتي لجل ما كتب وكتبت بحثا مقارنا بين أفكاره وأفكار الإمام حسن البنا أنشره قريبا بإذن الله، وأغلب التحفظات تتعلق بالعلاقة بين التنظيم والمجتمع، وقضية التكفير والاستعلاء والعزلة الشعورية والانفصال عن المجتمع ومغالاته في رفضه القوانين الوضعية حتى في دائرة العفو في الشريعة، وهي أفكار تناقض منهج الإمام البنا.

وحتى مع اعتبار بحث (دعاة لا قضاة) الذي كتبه الأستاذ حسن الهضيبي شرحا وليس رفضا لأفكار قطب (والحق أنه كان رفضا لها وفق ما نقله لي جدي المأمون الهضيبي رحمه الله)، فإن كتابات قطب تظل مصطدمة بأفكار البنا في النقاط التي سبق ذكرها، مع وضع التجهيل بديلا للتكفير، ففكرة وجود فصل بين التنظيم والمجتمع التي طرحها قطب تصلح لأن تكون منطلقا لفهم التناقض الكامل في الرؤية الحركية بين البنا وقطب.

ولكن برغم ذلك وفي ذكرى وفاته أجدني متعاطفا، وبشدة، مع سيد قطب ربما بنفس قدر إدانتي لأفكاره، وذلك لأسباب متعددة، ليس أقلها هو أن من يمتلك شجاعة السير إلى حبل المشنقة وهو يقدر على تجنبه إن فرط فيما يراه صوابا لهو شخص ذو معدن خاص، عنده صلابة أخلاقية نادرة، ويستحق كل الاحترام والتقدير.

ثم إن الشهيد قطب أديب مفكر، له كغيره من المفكرين والأدباء شطحات هي قرينة الإبداع، وقمعها قمع للإبداع، ولنا أن نسير في الأرض فننظر كيف تعاملت المجتمعات الغربية مع مفكريها ومنظريها وكيف قدرتهم برغم ما في أفكار وكتابات بعضهم من شطحات مماثلة، وبالتالي فإن المدان حقيقة هو ليس المفكر، وإنما هو من أعدم المفكر بسبب أفكاره، ومن حارب سيف القلم (وإن كان خاطئًا) بحبل المشنقة، ووقائع التاريخ تصدق ما قاله قطب، الذي أحيا أعداؤه أسطورته (إن كلماتنا تبقى ميتة حتى إذا متنا من أجلها قامت وانتفضت ودبت فيها الحياة).

والحقيقة الأهم في رأيي هي أنه لا بد من فهم السياق الذي كتب فيه سيد قطب المعالم وجل الظلال، لا بهدف تبرير ما بها من أخطاء فكرية فهي غير مبررة، وإنما بغرض فهم الأسباب، فقطب كما يبدو من كتاباته ومن شهادات مرافقيه شخص مرهف الحس متفجر المشاعر أديب حقيقي تعرض للسجن ظلما فتفاعلت معه مشاعره وغلا من دون شك في رد فعله تجاهه، غلوا يصفه الدكتور محمد عمارة والدكتور يوسف القرضاوي بأنه وصل لحد لم يصل إليه أي مفكر سابق من مفكري الصحوة الإسلامية.

ولكن من هو في شجاعة سيد قطب التي تظهر جليا في موقفه وقت الإعدام هو صنف نادر من الناس، لديه الشجاعة الأدبية على المراجعة والتصحيح إذا سنحت لذلك الفرصة، وهي بكل أسف لم تسنح بسبب الإعدام.

أسئلة بلا إجابات 

نعم، إنه من الظلم الحكم على تجربة تم إعدامها قبل اكتمالها، ولكن قطب بحسه النقدي كان ولا بد سيدرك أن كتاباته تطرح أسئلة لا بد لها من إجابات، وكان سيجد في الإجابات شططا يدرك معه أهمية مراجعة تلك الأفكار، وهو لو كانت أتيحت له فرصة مناقشة أفكاره، كما سنحت لبعض من تأثروا به حين ناقشوا بحث “دعاة لا قضاة” بعد استشهاده، كذلك لتراجع هو عن أفكاره التي تبناها في العقد الأخير من عمره.

بل أزعم أن تراجعه عن أفكاره كان سيكون كتابيا، فكان سيكتب ما به يخطئ نفسه، فهو ليس بأقل شجاعة من طارق البشري الذي كتب في مقدمة الطبعة الثانية من كتاب الحركة السياسية المصرية 1945- 1952 نقدا متكاملا للمنهجية التي التزمها هو في كتابة الطبعة الأولى، ولا خالد محمد خالد الذي استجاب لنقد الشيخ الغزالي رحمهما الله فكتب كتابا بعنوان (الدولة في الإسلام) ينقد فيه ما كان قد كتبه من قبل ويخطئ نفسه، ولا عبد الوهاب المسيري رحمه الله الذي كتب في مذكراته نقدا شديدا لمرحلة المادية في حياته (بعنوان: من ضيق المادية إلى رحابة الإيمان)، ولا غيرهم من المفكرين الذين امتلكوا شجاعة الاعتراف بالخطأ، والانحياز للحقيقة، لم يكن سيد قطب أقل شجاعة من هؤلاء وهو الذي سيق بشجاعة إلى حبل المشنقة.

التكريم الحقيقي للشهيد سيد قطب من قبل محبيه إنما يكون بالقيام بتلك المراجعات مع التزام الشجاعة والصلابة الأدبية التي تميز بها قطب، وأما الاتباع الأعمى لأفكاره، أو ربما عدم القدرة على نقدها لأسباب عاطفية تتراوح ما بين الإعجاب بالشخص وخلطه بالفكرة، وبين الانبهار بالخطاب العاطفي وعدم القدرة على نقده فكريا، أقول إن هذا الاتباع هو خروج على منهج الأستاذ قطب نفسه، وتقليل من قيمته، وهو أمر يقدح في الاتباع لا المتبوع.

فالمريد أو الطالب الحقيقي هو الذي يتعلم من أستاذه دون أن يقدسه، ويختلف معه دون أن يجرح فيه، ولنا في الأئمة الأربعة مثلا على ذلك وقد تتلمذوا على يد بعضهم.

مطلوب من محبي قطب (وعلى رأسهم أعضاء جماعة الإخوان التي انتمى قطب إليها) إنصافه بالاقتراب من درجة الشجاعة التي تميز بها، ورفض تقييمه للواقع ورؤيته الحركية، والاستفادة من كتاباته الرائعة التي بدأ بها حياته، ولعل أهمها العدالة الاجتماعية في الإسلام.

ومطلوب من محبي قطب، ومن محبي الوطن بشكل عام، الاستمرار في معركة الحرية، والدفاع عن حرية الكلمة والرأي، وحرية التفكير والإبداع، التي من أجل الدفاع عنها سلم قطب رأسه للمشنقة.


باحث مصري.