حسام نور الدين – 40 عاما- مصري مقيم بأمستردام

كانت عندنا جارة… ربي… وأي جارة! لا تعيش إلا مع حمامها الأبيض وصورة زوجها المستشهد. ودعتها سنوات زادت عن الخمسين، جمالها أنيق، عيناها تومض ضياء مريحا، شعرها تستره بمنديل من الحرير… يشكي الجيران أحوالهم بينما هي… تحمد، يلعنون… تصفح، يصرخون فتهمس!!.

كنت أطل من وراء شباكي قبل الذهاب للمدرسة، أربط (مريلتي) بينما أتفرج عليها حيث تمد بكفيها المدورتين لحمامها الحب والطل يغشاها، تطعم بيد وبالأخرى تضعها في العش فتخرج منه بيضتين، ثم تتأمل الطير وهو ينفض عن جناحيه قطرات الندى، ويرتفع لأعلى!

أخطف كوب اللبن مسرعا، أهرول على السلم، شنطة مدرستي تلهج تحت يدي من لهفة اللقاء.. تراني أمامها عندما تسحب جريدة الصباح، فتداعب شعري الأسود، وتبث حولي أدعيه نورانية، ثم تدس يدها الطرية في جيبي لتودعها.. “نعناعـة السكـر!”.

لا زلت أذكر يوم الغارة، تتخبط أقدامنا إلى المخبأ، يئز في سمعنا طلقات المدفع، لن أنسى (تكتكة) الركبتين، وصراخ أختي الرضيعة على كتف أمي، ثم تدور أحاديث الجيران عبر بقعة ضوء مرتعشة، أبى يتحاور ثائرا في شئون السياسة، شابان يتجادلان في صحة هدف المباراة الملغى، لغط وحوارات تتهاوى هنا وهناك..

أما الجارة فيبسم ثغرها بسمة صافية، ويلتم حولها نسوة العمارة، تبدأ كلامها باسم الله، فتمسك أول الحديث، تغزله في دعابة، وتوصله بحكاية وراء حكاية، ثم تقطعها بآية!!.

وتنطلق صفارة نهاية الغارة، فتفتح لنا باب شقتها تدعونا بالدخول، تعتذر أمي وتوعدها بالحضور في يوم عاجل، نكمل صعود السلالم وأبي يقترب من أمي قائلا: “ما أطيب هذه الجارة”.

تنطبع تفاصيل زيارتي لبيتها أول مرة، حيث دفعني الفضول الجارف لأتعرف على شقتها، تقابلني بالتحية وحولها أثاث يومئ بالراحة.

سألتني:

– هل رأيت حمامي الأبيض؟

تقودني لشرفتها، تناولني بضع حبات، فأنثرها مندهشا داخل العش، أسرح في منقار حمامة صغيرة، أفرد أصبعي وأمر به على ريشها فتغمرني وداعة!.

أسأل جارتي عدة أسئلة تبدأ بـ (كم وكيف ولماذا و….) فتحني قامتها نحوي، وكأنها تعيرني سرا مستورا: –

– يا حبيبي للحمام معـــنى!

رددت في سري (للحمام معنى؟!! ) ولم أفهم.

يدي الشقية تعبث بعقدها الطويل، أدوره في الهواء بسذاجة، تنط حمرة الخجل في وجهي فور وقوعه على الأرض، ناديت الأرض أن تبلعني، فلا أطيق غضب نظرتها، وانتظرت قلقا ما سوف تفعل.. تقترب منى بهدوء، تنظر للعقد على الأرض، تلم حباته صامته، تعقدها في الخيط فتفشل، تجرب ثانية وتسألني بنفس الابتسامة:-

– هل رأيت فـــصـوص الرمانة؟

أدير زر (تليفزيونها)، وأنتظر الصورة. ولكن لا يأتيني سوى صوته، أخبرتني بعطل الجهاز منذ فترة، لم أجد شيئا يسليني، فتألفت مع (تليفزيونها) المعطل، أتابع برامجه بأذني وأتخيل كيف يكون المنظر!.

تدق الساعة المعلقة دقتين، أحس بالعطش ولا أجدها حولي، لا أسمع (خشخشة) يديها في المطبخ، تساءلت بداخلي متوجسا، أين هي؟! ولما هذا الهدوء المقلق؟.

تسحبت على أصابع قدمي وعند باب حجرتها، بصرتها تستلقي فوق بساط متواضع، ترمى يديها على الأرض في استسلام وتحدق تجاه السقف، تطول اللحظات.. كدت أنبهها بوجودي، ولكن لمحت فجأة دموعها تظفر، تزفر معها تنهيدة شجية، بينما رأسها لا يتحرك.. فيم تفكر؟! هل تفتش عن فتحة بالسقف، أم تسرح في لونه الباهت؟!.

كيف أتصرف؟ أأرتمى بجانبها مواسيا أو أرجع لأمي فأكشف لها خبايا آناتها؟!.

جرجرت ساقي، أكتم أنفاسي حتى لا تسمع، وفتحت الشرفة مرة أخرى، كم يطيب لي الآن الاتكاء على جدارها كي أتشاغل بحركة الطريق وتزول من عقلي صورتها وهي تتألم.

يقتحم سمعي رنين (التليفون) المتواصل، ترفع السماعة، تتكلم وتحكي ثم تضحك أجدها تقترب تجاهي بأسارير منشرحة، كأنها منذ لحظتين لم تكن تتوجع، وتفاجئني بالسؤال:-

هل تــحـب عـصـيـر المـشـمـش؟

في الصيف سافرت تزور شقيقتها، وانشغلت في عطلتي، مع الأصحاب والشقاوة، لكن طالت غيبتها، يسأل عنها كل سكان العمارة.

يقبل خريف تظلله كآبة، أطل على العش المقفول، أين يا ترى راح حمامها؟! ولما نست على الحبل منديلها الأحمر، يتطاير وحيدا، يترنح بين فكي المشبك؟! يجهدني عبث الشوق فأسدل الستارة على أمل يوم تالٍ.

أعود من مدرستي، تصطف في وجهي أسياخ حديد بابها، كأنها تتحدى.. أصعد لشقتي كسير النفس، همي يدفع رأسي لأسفل، تفتح لي أمي وتغمزني، فأنظر وراءها، ويزغرد قلبي ها هي أمامي، أغمض عيني وأنتشي بحنان ضمتها، هتفت طربا في جهري وسري، تلثم خدي بقبلة فأردها لها قبلتين، توسلت الزمن أن يتوقف، تشرح لها أمي حالي أثناء غيابها، فتزيد لي من دفء الضمة.

تعود لشرفتها يرخي الحمام جناحيه، يطير مرنما لحن العودة، يتألق على السحاب، يشكل خطوطا تتدلل، بينما أختلس من وراء الزجاج جمال المشهد.

وتتدحرج الأيام، يطوي العمر صفحة، تتراكم المتغيرات، ونرحل لبيت آخر جديد ولكنه بعيد.. جدا بعيد عن بيتنا القديم.

صرت شابا يزين وجهي شارب كثيف، صوتي تخشن، ينبت الشوك بذقني، تتحور الأحاسيس لأخرى، علمني زماني تعاطي الدخان الأسود، هويت في نار الغرام، أعبث مثل غيري، ألهو معهم وأولع ببريق الشهوة، وصرت أجيد صفرة الابتسامة.

لكني لم أقتل بعد وميض الذكرى، ذكرى أول أيامي، وأعاتب أمي:-

– سبعة أعوام يا أمي ولم نبادر بالزيارة؟!

يزعق حنيني الآن لرؤيتها، قطعت زحام الطريق وطول المسافة، أقترب من شقتها، وأحلم بالموعد، لأزفر عندها الآهة، أفتح شرفتها، وأتحسس ريشة الحمامة…

عبرت الرصيف يسبقني وجدي، دخلت من باب العمارة المخلوع، وقفت أمام شقتها، لكن لا أحد يفتح!! هاجت سكناتي، ارتجف أصبعي فوق الجرس، ينقبض صدري بهواجسي المرة، لكن لا…

أسمع الآن وقع خطواتها، وتفتح لي.. فأكاد أسبح!.

تتهلل لرؤيتي، تستقبلني بالبسمة، تسكب على بحور الفرحة، هي كما هي لم تتغير، لم يقدر الزمن على بهاء جواها، تنطق باسمي وكأنها تتغزل، وتعتذر لي بالأهداب المبتلة:-

آسفة على التأخير.. كنت أتوضأ.

أتت لي بالشاي والسكر، تحكى وتسهب، تخبرني بزواج ابنة أختها، تريني شالها الجديد الأخضر، يتدفق منها الكلام سلسا، لا ثرثرة ولكن مكرمة لضيفها، تشعرني بمدى قربي لها، تختزل في عفوية قطيعة سنوات ممتدة، تظل تقص علي بينما بصري يتشبث بمقلتيها وكأنه يستحلفهما: –

– [هل لا زالت تختلي كما كانت وتبكي؟]

تتوقف عن الكلام، وتقترب مني: –

– وأنت ما أحوالك؟ ولما غبت عن جارتك أم نسيت؟

لمست بفطنتها تغير ملامح وجهي:-

ما بك؟ احكي فلا أطيق صرخة (النني)!

ألم أشجاني ومتاعبي المتنافرة البوح أحيانا يكون أصعب، جاهدت.. وبدأت:-

– خانتني  الحبيب ة، سافر الصديق، لم تعد لأيامي بهجة، الغل بصدري يتمدد، يكرهني زميل عملي فأبادله الكره، يفصلنا هواء مسموما، دخاني الأسود يا جارة يحوطني، يغزو قلبي، بينما أمي تنشغل بأختي، وأبي بماله.. يستثمر! الكل صار تمتطيه شهوة وأنا أشتاق الآن للون أبيض، ولا أدري لما أمشي في طريقي فأتعثر، صرت يا جارتي كالصغير الذي يهاب العسكر.

أنهيت كلماتي وأنا أكاد أهوى على الأرض نظرت لي في شفقة وأمالت علىّ برقة:-

– اصبر!

علا صوتي صارخا:-

– من أين لي؟

وشوشتني

– اذكــــــر ربـــــك.

لم أنبس، فكررت الطلب ثم نبهتني:-

– أذكـــره من قلــــب القـــــلب.

وكأنني لم أسمع فأعيد عليها الشكوى:-

يا جارتي، تركتني  الحبيب ة، والصديق، أطفأ مللي أملي..

استمهلتني في حزم، سكتت برهة، رف رمش العين قبل أن تلقي على القول بنبرة تعز على الوصف:-

– صـــلـ على الحــبــيـــب.

سكتّ… سكت، ثم غفوت..

خيوط الصمت الهامس تنسج الفراغ حوالينا، ذرات السكون تتزين، تصلي وتسلم، أتوه في اختلاج شفتيها، تأخذ بيدي لأطوف معها، جلد يدي يحس بقلبها.. ينبض نسايم من الشرفة المفتوحة تهل علينا، هديل الحمام يشاركنا الجلسة، صورة زوجها المستشهد تكاد تنطق، تنقر جارتي بكلمات طيبة على الأوتار العذبة، تلتف في الحرير، تمد لي يدها، تطوف ونطوف، عيونها تتلألأ، كأنها تشم عبيرا من الجنة، يدهشني رجاء نظرتها، أهي لهــفـة؟ أم.. رهــبة؟! لا.. بل هي سجـــدة!.

تتجاور المعاني وتتجمع على سحاب أملس، يتهدهد الشعور بما لم أحس به من قبل، وأقسم بأنني الآن.. أجــمــل!!.

تعطر جارتي الحرف وتتذوق، تحنو على الحاء، وتؤكد على المخرج قبل أن يشرق لسانها بــ:-

محـمـد.

آه.. أردد معها وأهفو، رعش قلبي لنور روحها المقطر، تمدد في الحنايا البلسم، رن الحس الذي تبلد، وصلى الله عليه وسلم.

قمت أطلب الانصراف، فذكرتني:-

أنا موجودة طول الوقت، لا أغادر مكاني إلا ساعة بالنهار.

أخرج للطريق، تدبدب قدماي، يتمايل عودي راقصا، أرى الناس أحلى، لكن سرعان ما يداهمني الزحام داخل العربة، فأجد نفسي محشورا وسط أجسام لزجة، يلتف الخناق حولي، يهم لساني بالسب واللعنة، لكن لم تزل صورتها بعد في خيالي (تبسم لنا ببسمتها الصفية يوم الغارة) فأقلدها محاولا، بينما تتسلل أصابع يدي داخل جيبي، لتطمئن علي..

نـعـنـاعــة الســكـــــــر!

النقد والتعليق

يقول الناقد والسينارست/ عماد مطاوع:

عندما تتراكم الإحباطات وتتجاور الهزائم النفسية يحن المرء للعودة إلى نبع أحلامه الأول، ويهفو لاستعادة هذه اللحظات الدافئة، خاصة إذا ارتبط ذلك بأشخاص يحتلون مكانة مهمة في مسيرة حياتنا، ومن هنا كان إعجابي بقصة “جارتي” للقاص حسام نور الدين.

وهذه القصة رغم طولها النسبي فإنها تجمع بالفعل عناصر قصصية/ فنية جيدة، فهي ترجمة لحالة نفسية، ليس لبطلها فقط بل لنا جميعا. خاصة أن نموذج هذه الجارة يفتح الباب لاستقبال كل ما هو أصيل وحميم.

تبدأ القصة بالدخول مباشرة إلى الحدث بعد جملة واحدة تقريبا يقولها القاص… “كانت عندنا جارة… ربي.. وأي جارة”، ثم يبدأ في اجترار ذكرياته مع هذه الجارة التي تعد ملمحا مهما لطفولته ولأيام حياتية مؤثرة فيه، فهو يؤرخ من خلال هذه الجارة لفترة اجتماعية/ سياسية، فهي أرملة لشهيد، تحرص على أن تجعل صورته متصدرة الجدار، وهي تسلك في حياتها مسلكا إيمانيا يصل حد التصوف، كما أنها تربي وتعتني بحماماتها البيضاء اللون -ولهذه الحمامات دلالة مهمة على شخصيتها المسالمة المرهفة والوثابة في ذات الوقت- ويبدأ بطل القصة في نسج التفاصيل الصغيرة لعلاقته بهذه الجارة التي كانت تحتل لديه ولدى الجميع مكانة أصيلة، ثم تجري في النهر مياه عديدة وتبدل الوجوه والأحداث وتنتقل الأسرة للإقامة في مكان آخر، وتنقطع الزيارات لهذه الجارة، ثم يجرف الشوق هذا الطفل/ البطل الذي صار شابا لرؤية الجارة خاصة وقد تكاتفت على كاهله الخطوب، فنجده يقول… “خانتني  الحبيب ة، سافر الصديق، لم تعد لأيامي بهجة… إلخ” فنجد الجارة تتخذ مكانها المعهود وتقف إلى جواره وتوصيه بالصبر، ثم يكثف الكاتب حالة إنسانية مرهفة للغاية تصل إلى درجة النظرة الصوفية الشفافة للعالم والحياة، وهنا تتكشف جوانب أخرى من شخصية تلك الجارة التي مثلت لذلك الطفل/ الشاب- بطل القصة- مفتاحا مهما من مفاتيح أبواب البهجة التي يلج منها إلى مياه أكثر متعة وأكثر ثراء.

ولقد اعتمد الكاتب على الراوي العليم بمجريات الأمور ليضفي على عمله جوا أكثر مصداقية- ولقد نجح- والحق أن التشكيل البصري للسرد هنا، جعل اللحظات القصصية التي تصيدها القاص تتمثل أمام أعيننا ولا يتأتى ذلك إلى بحرفية عالية في القص وذكاء في إدارة دفة الحدث، ويحسب للكاتب هنا البناء الجيد للشخصيات للدرجة التي جعلتها حية تنبض بالحياة.

ولقد استدرجت الحكاية وجماليتها الكاتب فأسهب قليلا في السرد وكان عليه أن يراعي التكثيف حتى يخرج لنا قصة متماسكة أكثر، والحق أنني حاولت القيام بعمل “مونتاج” لهذه القصة فوجدتني أضعف عن الاستغناء عن أي فقرة بسهولة والقاص بالطبع هو الأقدر على ضبط إيقاع العمل وهذه التجربة ثرية بالفعل على مستويات متعددة، فهي ترصد حالة إنسانية/ اجتماعية مهمة، تغوص في أعماق التركيبة الاجتماعية في مراحل مختلفة وتسجل أياما وحقبا، كما أنها تعد منظومة إنسانية رقيقة لأسباب متعددة ربما أكثرها وضوحا اللغة الشاعرية التي استخدمها الكاتب والتي أعانته على توصيل رسالته، كما أعانته على نسج لحظات قصصية عالية التكثيف تواشجت مع هذه اللغة فنجده يقول مثلا… “خيوط الصمت الهامس تنسج الفراغ حوالينا، ذرات السكون تتزين… إلخ” وهذا النص يقدم لنا كاتبا راسخا يمتلك أدواته ويتعامل مع فن القص بذكاء وحرفية عالية.

اقرأ أيضا:

وما زال ينبض!