22/09/2005 مروة أبو ضيف -25 عاما- مصر

أعرف أني أحمل وجهي دوما

حيث أسافر، حيث تهاجر روحي

وحيث يطويني الضوء بعيدا عني

حين أراك بوجه حامض

أراني هناك، تحت الهدب

وفوق الشفة المرسومة وداعا

لذا… لا أملك أن ألعنك الآن

وكملاك مدنس بالخطيئة لم يعرف كيف تكون هويته فوق الأرض وتحت السماء علي حافة من غياب، مقدسا كان وجهه بعيونهم الغبية، ضعيف كطفل شقي جميل على راحتيها، رماديا وحيدا علي صليب الذكريات. كان يعرف أن الطرق تلفظ خطى المارّين ليلا تماما كما تحاول العيون إنكار المشاهد، وتبرأ الرصاصة نفسها من دم الشهيد، وتتنصل العربة من صرخة الطفل، وكما النار تزعم: لا… لم ألتهم الفقراء عمدا اسألوا الماس الكهربي؛ لأنه كان يعرف كل ذلك، كان يرفع قدميه قليلا عن قلب الطريق ويسير بعيدا عن ظله إلا أنه كان يعرف أن هذا لن يبعده كثيرا عن الأرض ولن يقربه أبدا من السماء!!!!!. كان يحب الليل أكثر فهناك يكون رجلا كاملا لا يسلبه الضوء ظلا ولا تنهشه العيون رؤًى ووجوها.

لم تعد الأماني حساء الصباح وخمر المساء كان يبحث عن لون آخر للبقاء ويردد ما كانت تتلوه عليه دوما يوما أتزوج نجما لم يشرق بعد، ألد لهذا العالم نبيه الأخير، وتكون القيامة!!

ليس لأنه كان يحاول جاهدًا ألا يخلع وجهه حين يلقاهم ظن أنهم يعرفونه ولكن لأنه كان يعرفهم حقا. كان يعرف أن خلفتلك الوجوه الحديدية والبلاستيكية كان هناك أناس لم تسقط عنهم آدميتهم بالتقادم، ولم تستطع فجأة ما إن تسحق بداخلهم القدرة على الاندهاش. كان يحبهم لكنه يخشي أن يسري جليدهم إليه، ينفذ لعيونه فتتجمد اللحظة وتصير عيناه قضبانين من زجاج ماتت خلفهما بغتة الحياة.

كل شيء في النهاية مآله للبحر الرمل، العشق، الوجع، وحتى الذكريات. كان يفكر كيف لا يكون الموت كله بحرا؟؟؟!!!!! ألا ينبغي أن نموت جميعا غرقى؟؟!! فثمة علاقة حميمية بيننا وبين البحر حتى اصطدام العربة بالجسد العابر أليس غرقا لوعي عقلين حيين في عبثية غفلة ألقاها موج القدر؟؟!!!!

هكذا كان يعشق البحر، وهكذا كان يعشقها تلك الموجودة دائما والتي لا توجد أبدا. حاضرة كالغياب. كان يراها كالبحر في امتلاكها كل شيء وجعه، ذاكرته، وقته، حتى وجهه. كانت تملكه. تملكه ولا تقاسمه فجيعة الضياع. كانت تسكن ملامحه يراها في مرآته ويعلق عليها أحلامه، انتصاراته، انتكاساته، ويودعها آخر أمنيات المساء: تصبحين على وجع جديد يا حبيبتي

كان يراها كالبحر تماما وكالبحر كانت تملأه غرقا……

وتقول الريشة: لا أرسم أكثر مما أرى

النقد والتعليق

يقول الناقد والسيناريست عماد مطاوع:

في هذه التجربة التي لم تحدد لها كاتبتها اسما بعينه نجد عالما داخليا -كابوسيا- يلفنا جميعا من خلال هذا الشخص غائم الملامح الذي دارت من حوله تهويمات الكاتبة، وهذه هي التجربة الثانية لمروة أبو ضيف التي نطالعها لها عبر نادي المبدعين، وهي هنا قد أحرزت تقدمًا واضحًا، وامتلكت القدرة على نسيج حالة قصصية مترابطة متماسكة، وأيضا استطاعت أن تخلص للحالة التي تملكت النص وسيطرت عليه منذ كلماته الأولى التي صدته بها.

والقاصة هنا نجحت في تكثيف الحالة القصصية من خلال سرعة إيقاع السرد وتلاحق النقلات الدرامية رغم ميلها الواضح للاستطراد في الوصف واستخدام لغة خطابية/ مسرحية مثل قولها: “وكما النار تزعم: لا.. لم ألتهم الفقراء…”.

وهناك أيضا مسحة الشحن التي تغلف هذا العمل والتي تكسبه تعاطف المتلقي معه حتى يصل للنهاية فيقرأ: “وتقول الريشة: لا أرسم أكثر مما أرى” فتتضح أكثر زاوية الرؤية التي تطل منها الكاتبة لتتطلع إلى العالم.

وهذه القصة رغم ضبابيتها الظاهرة فإنها تعد حالة خاصة من حالات الكشف والغوص داخل حنايا وزوايا الذات بكل ما تحمله من مترادفات، ولا يؤخذ على الكاتبة سوى استسلامها للجرس الموسيقي في كتابتها مثل قولها: “لم تعد الأماني حساء الصباح وخمر المساء كان يبحث عن لون آخر للبقاء”.

وهناك أيضا الاستطراد في الوصف الذي عادة ما يفسد تتابع السرد وتدفقه، إلا أن القاصة قدمت تجربة أكدت موهبتها الأصلية، وأوضحت تقدما ملحوظا اكتسبته تجربتها، وانعكس على أدواتها الإبداعية وجلالها تسعى لفك شفرات الحياة بكل ما تحمله، وأيضا محاولة الولوج لهذه الدائرة التي تناولتها في عملها والغوص داخل علاقات معقدة رغم عدم وضوح ملامحها جيدا.

كل هذا جعلنا أمام حالة قصصية كانت مؤهلة بالفعل للسير على درب الأعمال النفسية الكبيرة التي تعنى أكثر بجوانيات الذات البشرية، وتسعى لتحليل انفعالاتها وتفسير تصرفاتها، إلا أن الكاتبة لم تعط لهذه التجربة حقها من النضج، ورغم هذا كله فهذه التجربة تؤكد على موهبة مروة أبو ضيف، وتجعلنا نستشرف كتاباتٍ أكثر جودة وتجارب أخرى متعددة.

اقرأ أيضا: