سيد يوسف-مصر-29 عام
تناثري كنجوم الليل أترابــا تفرقي كحمام الأيك أسـرابــا
تفجَّري أغنيات لا ضفاف لهــا غطي المدى أغرقي الصحراء والغابـا
تسرَّبي في صميمي وانتشي طربــاً إن كان خلَّف فيَّ الحزن إطرابـا
تملّكيني .. أنا المجنون .. وانتفضـي لحناً بقلبي عنيف الجرس وثَّابـا
أنا المسافر.. والزاد الوحيد دمـي أدقُّ للأمل المنسيّ أبوابــا
قاتلت بالشعر حتى عدت منتصـراً وما أصبت سوى الأوهام أسلابــا
أنا الذي كان نظم الحزن تسليتـي ومن دم الشعر كم طرَّزت جلبابـا
آمنت .. حين رأيت الجسم منفجـراً أنّ القصائد .. لا يَصْلُحنَ أثوابـا
***
يا بنت عمّي .. وما قولي سوى ألـمٍ يرتدُّ عن دارس الأطلال آدابــا
من أين جِئتِ؟.. وهل في أرضنا امرأةٌ ناءت بهذا الجمـال الفــذّ إِنجابـا؟
غريبةٌ أنت .. في أرضٍ يصير بهـا من يملكون جمال الروحِ أغرابـا
هنا البلادة تعـوي في أزقَّتنـا ويُنشِب القبـح فـي حاراتنـا النابـا
هنا بنى الخوف من لا شيء أضرحةً وشيَّد الوهم من لا شيء أنصابـا
هنا .. هنا القهر محفور بداخلنا هنا .. هنا النهر يغدو ماؤهُ صابـا
***
من أين جئت؟ أجيبيني معذبتي لا تتركي الحرف فوق السطر مُرتابـا
ما الاسم؟ قولي بحق الموت فاتنتـي وهل تحوزين غير الحسن ألقابـا؟
وفاءُ؟ .. أحبب بهذا اسماً وذي صفــةً أعطت لحسنك أسباباً وأسبابـا
وفاءُ؟ .. فلتقفِ الأزهارُ تكرمـةً في روضها .. وليخرَّ الشعرُ ترحابـا
***
وفاءُ .. والحزن موقوفٌ على قلمـي واليأس أرخى على الأوراقِ أهدابـا
أنا وأنت هنا .. والموتُ ثالثنـا فلتسمحي أن يكون الجمعُ أصحابـا
تقدمي .. عمّديني بالوفاءِ فقـد تكالب الغدر في دنياي أحزابـا
تفضّلي .. نتحاور عن مصائبنا ونحتسي الألم العذريَّ أكوابـا
ماذا درست؟.. حقوقاً؟ .. أين نطلبها ومنتهى سعينا في إثْرها خابـا؟
ماذا قرأت؟ .. قوانيناً؟ .. وهل ترَكَتْ أوغاد صهيون للقانون محرابا؟
الحق ما جئتِ والقانون سيدتـي وما عدا ذاك فليرتدَّ كذّابا
قالوا انفجاركِ إرهابٌ بـه ابتُلِيَتْ جموعهم  .. قلتُ .. ما أحلاهُ إرهابـا
تعارف الموت والميلاد واقتربا في لحظةٍ .. فهما قوسانِ أو قابـا
فيا لها لحظةً في العمر خالـدةً أحنى لها رأسه التاريخُ إعجابا
***
وفاءُ .. واللحن مذبــــوحٌ بقافيتـي  والدمعُ قرّح أجفاني وما انسابــا
شِعْري خرافات درويشٍ .. هذيتُ بها بين الرمال  فما أحسنتُ إعرابا
النحوُ والصرف ضاعا..والحروفُ هوت أمّا القوافي .. فقد أعلنَّ إضرابا
ماذا أسطّرُ والنيران تحصدنـا؟ هل تطلب الحرب غير الجند كُتّابـا؟
ماذا أغنّي ؟ .. بلادي لا غِناء بهـا وهل يعيد غنائي العُربَ أعرابـا؟
يا مُشترون .. إلينا فهي فرصتكـم هذي بضاعتنا .. من يفتح البابـا؟
من يشتري جنة .. لا سيف يحرسُها تكتظُّ قمحاً .. وبترولاً .. وأعنابا؟
من يشتري مجد أجدادي وعزتهــم ويُبْدِلُ الأرضَ بالأمجاد .. أنيابـا؟
***
وفاءُ .. هذا عمود الشعرِ منكسـرٌ يبكي العروبةَ أنساباً .. وأحسابـا
أما أنا .. فنصيبي منه أغنيـةٌ تستلهم الحسن للنيران أحطابـا
وفاءُ في الليل .. مأساةٌ تطاردنا وفي الضحى .. تطرح المأساةُ أعشابـا
وفاءُ أنثى .. من العشرين قـد عبرَتْ والوجه عن عبث الأطفالِ ما تابـا
صغيرةٌ .. ما لها في العشق من قصص ولا اكتوى قلبها شوقاً .. ولا ذابا
ترافعت في اقتضابٍ عن قضيَّتِنـا وما تلقّتْ عن الإحسانِ أتعابـا
أعظم بهذا الدم الغالي مرافعـةً أعادت العمر للقلب الذي شابـا
وفاءُ .. بنتٌ من الأعراب .. أعرفهـا عادت إلى الأمس أحقاباً .. وأحقابـا
تستنسخُ الخيلَ والفرسان من دمهـا وتسكبُ العزمَ للأطفالِ أنخابـا
تقولُ: يا معشر الأطفال .. لا تهِنـوا إن غابت الجُندُ .. نصر اللهِ ما غابـا
لكنَّهُ خلف باب العجزِ مُحتجــِبٌ لن يُشرق النصرُ .. حتّى نكسِرَ البابـا
لن يشرق النصر حتى نكسر الباب

النقد والتعليق:

الشاعر الناقد صلاح جلال:

صديقي الشاعر / سيد يوسف.. يا من:

قاتلتَ بالشعر حتى عدتَ منتصـرا.. وقد أسرت شغاف القلب  إعجابا

لا فض فوك نصبت الحرف ألوية .. وصغت عزاً من الأبيات غلابا

وقلت قولاً أراه نبض أوردتي.. لن يشرق النصر حتى نكسر الباب

فانهض صديقي وسل الحق قافية ..  ودق للأمل المنسي أبوابا

مرحى بشاعرنا وصديقنا الجديد سيد يوسف!!

ببساطة تامة ركبت البسيط التام، وبِرقة الباء جاءت القافية رقيقة ومتناغمة، وعلى قدر قداسة القضية جاءت الكلمات عذبة وقورة رصينة، وبقدر الحزن المشوب بالحيرة والقلق والأمل جاءت الصورة متداخلة الألوان تأخذ بلب كل متذوق لفن الكلمة.. عينان دامعتان.. علامات استفهام وتعجب.. أسوار نفسية تمرد للشمس المسجونة خلف اللوحة أحدثت ثقباً من النور في ركن من اللوحة وكان التوقيع: “لن يشرق النصر حتى نكسر الباب” .

القصيدة من الشعر العمودي ركب فيها الشاعر بحر البسيط التام: مستفعلن/ فاعلن/ مستفعلن/ فعلن ( مع استخدام الخَبن في مستفعلن لتصير متفعلن، وهو جائز). وكانت سباحته فيه هادئة، ولم يمُج به البحر ولم يخُنه..

بدأ الشاعر قصيدته بعنف عاطفي تراجيدي أكثر منه رومانسي. ولنا هنا وقفة مع الشاعر.. إذ متى كان تناثر الجسد وتمزقه وانفجاره (حتى في سبيل الله) مدعاة للتأمل والتشبيه والكلمات “تناثري كنجوم .. وتفرقي كحمام.. وتفجري أغنيات.. تسرَّبي.. وانتشي طربًا” وإن كانت صوراً رائعة الجمال بديعة التركيب كصور مجردة… فإنها تفرض علينا مشاعر لا تتناسب وحقيقة الموقف.. أين هذه البداية من قولك:

وفاءُ واللحن مذبــوحٌ بقافيتـي          والدمعُ قرّح أجفاني وما انسابـا

ثم بعد ذلك يعرفنا الشاعر في  تسلسل رائع على بعض جوانب شخصيته وآفاقه ورؤاه وتمرده على الشعر وهو ملجؤه وكهفه!! طارحاً وجهة نظره وتجربته الشخصية في هذا المعترك.. فأكثر من استخدام ضمير المتكلم البارز المنفصل “أنا” وهو يوحي بتأكيد ما بعده؛ لأننا نأخذه عن المتحدث نفسه لا نقلاً عنه:

أنا المسافر.. والزاد الوحيد دمــــي    أدقُّ للأمل المنسيّ أبوابــــا

قاتلت بالشعر حتى عدت منتصــراً       وما أصبت سوى الأوهام أسلابـا

أنا الذي كان نظم الحزن تسليتـــي        ومن دم الشعر كم طرَّزت جلبابـا

آمنت.. حين رأيت الجسم منفجــراً      أنّ القصائد  لا يَصْلُحنَ أثوابــــا

ثم يقفز الشاعر قفزة شعورية بارعة يأخذ معها الألباب؛ إذ نراه يقف أمام ملهمته.. أمام بطلته الأسطورية أمام “وفاء”.. فيقدمها لنا من خلال تساؤلاته، ثم يغازل حسنها ليذكرنا به؛ فتطفو صورتها على سطح خيالنا فتهز مشاعرنا.. وهى لمحة ذكية وهمسة رقيقة تسلب من عين القارئ دمعة رغماً عنه:

من أين جِئتِ؟ وهل في أرضنا امرأةٌ      ناءت بهذا الجمال الفــذّ إِنجابــا؟

ما الاسم؟ قولي بحق الموت فاتنتي       وهل تحوزين غير الحسن ألقابـــا؟

وفاءُ؟ أحبب بهذا اسماً وذي صفة        أعطت لحسنك أسباباً وأسبابـــــا

وفى النهاية.. يقف الشاعر على نتائج تجاربه وحصاد خبراته في هذا المعترك؛ فيسطر أروع ما بالقصيدة من حكمة:

وفاءُ بنتٌ من الأعراب أعرفهــا     عادت إلى الأمس أحقابًا وأحقابــــا

تستنسخُ الخيلَ والفرسان من دمهـا     وتسكبُ العزمَ للأطفالِ أنخابـــــا

تقولُ: يا معشر الأطفال لا تهِنـــوا     إن غابت الجُندُ 00 نصر اللهِ ما غابـا

لكنَّهُ خلف باب العجزِ مُحتجِبٌ           لن يُشرق النصرُ حتّى نكسِرَ البابا

لن يشرق النصر حتى نكسر الباب

 وأقول لك صديقي العزيز ما قاله العقاد في قصيدته ” شدو لا نوح”:

غرد على الدّور يا قمري في دَعـةٍ    واسلم هنالك من بـاك ومبكى

حسب المعاني التي يبكى الحزين بها   من سلوةٍ أن فيها شدو قمـري

وختاماً: القصيدة عمل أدبي رائع تكاملت أجزاؤه وتآلفت.. وتنوعت ألوانه فأبهرت.. وما كان يسعنا فيه سوى هذه الوقفات البسيطة المتعجلة نلقى فيها ضوءًا بدا خافتًا أمام سطوعها..

ونحن نرحب بالصديق الجديد فكرًا ناضجًا وقلبًا نابضًا وقلمًا رشيقًا.. وإلى مزيد من التميز.

أما الشاعر سامر سكيك فيقول: 

في قصيدتنا الرائعة هذه نجد أن الشاعر قد أبدع في صياغتها أيما إبداع، ووظف كافة الأدوات الشعرية التي يبدو أنه متمكن منها إلى حد كبير في أسلوب وفصاحة يغبط عليهما.

نقف هنا أمام مرثية بأسلوب مختلف عما عهدناه في أسلوب الرثاء التقليدي، حيث يرثي شاعرنا الشهيدة والفدائية الفلسطينية (وفاء إدريس) التي سطرت بأشلائها الطاهرة أسمى معاني التضحية والفداء.

لقد استطاع الشاعر أن يدهشنا ببراعة نظمه، وإبداعه في إيراد صور مبتكرة منحت القصيدة إيحاءات ودلالات خصبة، ويحسب له تمكنه من توظيف الأساليب الإنشائية بشكل يتلاءم كلية مع جو النص المفعم بالأسى..ولعل من الصور التي تلفت النظر في قصيدته قوله: “تناثري كنجوم الليل أترابا”، أدق للأمل المنسي أبوابا”، البلادة تعوي في أزقتنا”، “واللحن مذبوح بقافيتي”.

أما بالنسبة للإيقاع الحزين والرتيب في القصيدة فقد أضفى على نفسية المتلقي عنصري التأثر والتوحد مع أبيات القصيدة حتى آخر شطر فيها.

وإنه ليحسب في ميزان الشاعر تمكنه من الوزن، وقدرته على الإبحار فيه بسلاسة واقتدار، وبراعته في صياغة القافية، فجاء الوزن سليما على بحر البسيط وتفاعيله هي “مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن”، والقارئ للقصيدة لن يمنع نفسه من أن يغبط الشاعر على ثروته اللغوية التي استطاع من خلالها دعم قافيته البائية، والاسترسال في القصيدة دون أن تُفقد الصورة الكلية أو تنعت القصيدة بالتشظي..

وفي النهاية أقول للشاعر أنك تتمتع بشاعرية خصبة وقريحة متقدة، ولا ينقصك شيء لتصدح بقوة في سماء الشعر، وتكون صوتا شعريا مميزا في المستقبل المأمول بإذن الله، وما عليك لكي تحافظ على تميزك سوى أن تأخذ الموضوع بجدية ودأب، وتطور من نفسك أكثر فأكثر..ولك منا ألف ألف تحية..وفي انتظار تواصلك الدائم

اقرأ أيضا: