مر حسين – ليبيا – 33 عامًا

 

آهٍ فلســطينُ كُلُّ المُنــــى  نــرى قدســنا قد أُعيدت لنـا
تظل الأمــاني قيد الرجــاء  إذا لم يحققـها عـزم لنــــا
آيا قـدس يا نفحـة من ضيـاء  تفيض لتغـمر كل الدنـــــا
متـى يُكـسر القيـد عن راحتي فأهتـف بالكـون إنـي هنـــا
أيا قـدس يا ملتــقى الأنبيـاء  ومسـرى النبــي ومهـد السنا
ذكرتك فانهمـرت أدمعـــي  وزاد حنيــني وزاد الضــنى
حنيناً توهـج بين الضـــلوع  وحلـماً جعلـته كـل المنــى
فلسطين طال انتظار الصبــاح  وطــال انتظـار الهدى والفلاح
متى يُشرق الفجـر في الخافقين  فنشرب ماءك عذباً قـــــراح
آيـا قـدس يا نفحة في الـفؤاد  ولحناً تردد في كـل ســــاح
تَشُدُ القـلوبُ إليـكِ الرحــالَ  وتسـعى لـدرب الهدى والسماح
لقد طال شوقي لتـلك الربـوع  وتلـك الروابـي الحسانِِِ الفساح
متـى يُنجزُ الوعـد يا فرقـداً؟  فنمضـي يقـود الجموع صلاح
ونرفع كف الدعاء والرجــاء  هلموا إلينا الكفــاح الكفــاح
فلســطين هذا أوان الوفــاء  وهذا أوان الإبا والفـــــداء
فأين الأُســودَ وأيـن الكمـاة  لقد طال ليل الغثا والشقــــاء
آيا قدس يـا معبــداً للســلام  ورمز التســامي ورمز الإخاء
أحقاً يعـود إليـك اللـــواء؟  فيعلوك مرتفعاً في السمـــاء
يُرفرف رغـم أنـوف العــدا  ويشمخ فوق العلى في بهــاء؟
نعـم سيـرفرف ذاك اللــواء  في أرضـي ويلقى العدو الفناء
ونسـحق أنـف الذيـن اعتدوا  ونـرفع في القدس وحيَ السماء
آيا قدس يـا درةً فـي الوجـود  ستبقين رمز الإبا والصمــود
يميناً ســنمضي برغم القيـود  لرمي الأعادي ودحر اليهــود
فلسطين فيك غداً مُلتقــــى  وفيك ستُنـجزُ كل الوعـــود
شـبابك لبـى نداء السمـــاء  فسار يُزمجر مثل الرعـــود
وسار إليـــك بأحلامـــه  وكل يلبي الصمود الصمــود
فكل أصاخ لصوت الجــهاد  وما منهمُ مُلـحدٌ أو حقـــود
يقود الجموع إليــك رجـالٌ  يرون الحياة في صـون العهود
وكل يُــردد ذاك الهــتافَ  فلسطين أرضـي وأرض الجدود
فلسـطين أين حمـاة الديــار  وأين حمــاة الحمى والذِمــار
تخــلوا جميعـاً فما واحـدٌ  يُرجّـى لنيـل العُلى والفخَــار
آيا قدس يا جنـةً من نضــار وروضـة حسـنٍ ونـور ونـار
شبابٌ أراهم بـك مغرمــين  إليكِ تَنـادوا البــدار البــدار
وأسمع صوت الحياة الجميـل  صموداً على الدرب رغم الحصار
فصبرٌ جميل سيجلو الظــلام  ويبزغ فجــر ويـأتي النهــار
وإني لأسمع صوت الأفـاعي  بذاك الفحيــح الفــرار الفرار
وألمح طيـف النهار الجميـل  يُطل ليـرفع عنــك الصــغار
فحلم اليهــود بسلب الديـار  خيـالٌ تحـطم فــوق الجــدار

النقد والتعليق:

الشاعر سامر سكيك:

لا مراء أننا بصحبة نص كلاسيكي ملتزم، ينضح بالثورية والتغني بحب الوطن.. فقد استطاع شاعرنا “عمر” أن يترجم لنا أحاسيسه الصادقة في قالب شعري عذب ذي إيقاع مؤثر على النفس، اعتاد الشعراء المعاصرون على استخدامه وهو بحر المتقارب؛ وذلك لما يمتاز به من سلاسة وسهولة في ركوب أمواجه والإبحار فيه.. ولعل شاعرنا في نظمه لهذه القصيدة يبدو متأثرًا إلى حد كبير بالشاعر المصري “علي محمود طه” في قصيدته المشهورة عن فلسطين التي يبدأ مطلعها بالآتي:

أخي جاوز الظالمون المدى

فحق الجهاد وحق الفدا

أنتركهم يغصبون العروبةَ

مجد الأبوة والسؤددا

وليسوا بغير صليل السيوف

يجيبون صوتا لنا أو صدى

حتى إنه يخيل للقارئ أن قصيدة “عمر” جزء لا ينفصل عن هذه القصيدة الرائعة التي ما انفك

الناس يتغنون بها استجداء للصمود والفداء..

ولو أننا تعمقنا قليلا في ثنايا القصيدة، وحاولنا استكشاف بعض جمالياتها، فنقول بأن الشاعر سار على نهج الشعراء الأقدمين حين استهل القصيدة بالتصريع في مطلعها ليقرع الآذان ويثير انتباه المتلقي، وهذا ضروري ومحبذ في مثل هذا النوع من القصائد التي تميل إلى المباشرة الخطابية.

ومن الواضح أن شاعرنا (عمر) ينظم على السليقة، حيث خانته أذنه غير المدربة عندما خرج عن الوزن أكثر من مرة، وربما أن هذه هي البداية الطبيعية لأي شاعر، وقد يغفر له بعض الشيء تمكنه من أدوات اللغة وغنى مفرداته، وتألق حسه الشعري في نقل تجربته إلينا باقتدار وهذا ملاحظ في القصيدة..

ومن الأخطاء العروضية التي لا ينتبه إليها إلا ذو أذن موسيقية متمرسة، ولذلك أخالها قد انطلت على شاعرنا في غمار تأجج مشاعره ودفقاته الشعورية.. وأذكر هنا بعضا من تلك الأخطاء:

آه فلسطين، لم يحققها عزم، في أرضي ويلقى العدو الفناء، “يرون الحياة في صون العهود”. وبالنسبة للقافية فقد ارتأى الشاعر عدم التقيد بها، وأتى بقافية متنوعة خلال مقاطع القصيدة المختلفة، وهذا مستحسن حتى لا يمل القارئ، ولكن ذلك لا يمنع من القول بأن القافية قد جاءت متكلفة في أكثر من موضع، وتسببت في وجود حشو واضح يلام عليه الشاعر مثل “زاد حنيني وزاد الضنى”، درب الهدى والسماح”، يبزغ فجر ويأتي النهار”، بذاك الفحيح الفرار الفرار”.

وربما نعتب على الشاعر كثرة اعتماده على الأساليب الإنشائية مثل النداء والاستفهام. واستخدامه صورا وتعابير مستهلكة تكررت كثيرا في الشعر العربي، مثل: قوله “متى يكسر القيد عن راحتي؟”، وأيضا قوله “تشد القلوب إليك الرحال”، وفي قوله في مكان آخر: “يا معبدا للسلام”.

ومن الملاحظ أن الشاعر كان مُقلا في التصوير كثيرا، وهذه نقطة نتمنى أن يلتفت إليها في قصائده مستقبلا..

ملاحظاتنا هذه لا تنفي أننا بلا شك أمام موهبة شعرية تبشر بصوت مميز سيصدح يوما ما بقوة في سماء الشعر لو أنه أكثر القراءة الجادة في كتب الأدب العربي والشعر والعروض.

اقرأ أيضا: