مهما طال الزمان سنعود

رغم مرور 50 عامًا على النكبة عام 1948، واندلاع أكثر من 4 حروب في المنطقة بين العرب وإسرائيل، ومرور نحو 7 سنوات على مؤتمر مدريد و5 سنوات على اتفاقية أوسلو، فإنه يمكننا القول وبدون أي مبالغة إن شيئًا جديدًا لم يطرأ على جوهر القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية شعب اقتلع من أرضه وطرد منها وتحول إلى لاجئين، وهو يناضل للعودة إليها ومن أجل تقرير مصيره على أرضه. ويعتبر اللجوء هو التجربة التاريخية المريرة التي مر بها القسم الأكبر من شعبنا خلال نصف القرن الماضي، علما أن أعدادا كبيرة من الفلسطينيين تعرضوا للجوء أكثر من مرة خلال الفترة المذكورة.

ماهية اللاجئ في الأمم المتحدة!!

وتعرف الأمم المتحدة اللاجئين بأنهم أشخاص كانت إقامتهم العادية في فلسطين بين الفترة من 1/6/1946 ولغاية 15/5/1948، وقد فقدوا بيوتهم ووسائل عيشهم نتيجة لنزاع 1948 ولجئوا إلى واحدة من الدول أو المناطق التي تقدم فيها الأونروا أعمال الإغاثة هم وأحفادهم. وحسب هذا التعريف لا يدخل في عداد اللاجئين الفلسطينيين الفئات التالية:

– الأشخاص الذين لم يسجلوا لدى الأونروا؛ لأنها لا تعمل في البلدان التي يعيشون فيها مثل مصر والعراق.

– أولئك الذين خسروا أراضيهم ولم يخسروا وسائل العيش، خصوصا أولئك الذين لم يغادروا فلسطين. وهناك نحو 180 ألف لاجئ هم سكان 418 قرية دمرتها إسرائيل ومن بقي من سكانها تحولوا إلى لاجئين داخل الأراضي المحتلة عام 1948.

– من غادروا فلسطين التاريخية قبل عام 1948، سواء خلال أو بعد ثورة 1936، أو في أثناء الحرب العالمية الثانية، وبعضهم كان يعمل مع الإدارة البريطانية في أماكن أخرى من العالم.

– الذين فاتتهم فرصة الوقت النهائي المحدد للتسجيل لدى الأونروا.

– أولئك الذين لم يكونوا بحاجة اقتصادية لخدمات الأونروا.

– ومن رفضوا التسجيل لدى الأونروا لأسباب سياسية مرتبطة بالخوف من مشاريع التوطين.

وبسبب وجود الأونروا تم استثناء اللاجئين الفلسطينيين من ميثاق المنظمة الدولية للاجئين The Constitution of the International Refugee Organisation ومن قانون دائرة المفوض السامي لشؤون اللاجئين التابع للأمم المتحدة، The United Nations High Commissioner for Refugees. ومن الميثاق الدولي لشؤون اللاجئين عام 1951، وتقول الفقرة D1- من هذا الميثاق: إنه لا ينطبق على هؤلاء الأشخاص الذين أصبحوا لاجئين ويحفظون بالحماية من منظمات تابعة للأمم المتحدة، والمقصود طبعا الأونروا. واستتباعا لذلك، حرم اللاجئون الفلسطينيون أيضا من أن يشملهم الميثاق الدولي لأوضاع اللاجئين الصادر عام 1954 The Convention Relating to the Status of Stateless Persons والميثاق الدولي حول الحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966 The

International Convenient of Civil and Political Pights. 1966

 اللاجئون والقانون الدولي

من المعروف أن القانون الدولي أولى اهتماما متزايدا بقضية اللاجئين وتناول قضايا محددة بالذات. ففي عام 1926، عرف ميثاق عصبة الأمم اللاجئين الروس والأرمن بأنهم أشخاص يعيشون خارج بلدانهم الأصلية ويفتقرون إلى حماية تلك البلدان، وفي عام 1936 عرف اللاجئين من ألمانيا النازية بأنهم أشخاص يحملون الجنسية الألمانية، ولا يحملون أية جنسية أخرى، ولم يعودوا يتمتعون بحماية الحكومة الألمانية. أما الأشخاص المشردونStateless Persons فهم أشخاص هجروا الأراضي الألمانية ولم يعودوا يتمتعون بحماية الحكومة الألمانية.

وبعد الحرب العالمية الثانية، قال الميثاق الدولي لشؤون اللاجئين لعام 1951: إن اللاجئ هو شخص هرب “لجأ” إلى بلد آخر، غير البلد الذي كان يقيم فيه سابقا، بسبب الأحداث السياسية التي جعلت حياته أو إقامته الدائمة في بلدة الأصلي مستحيلة أو لا تطاق.

ونتيجة لاندلاع الحروب الأهلية واضطرار الكثيرين للهرب من الأماكن التي يعيشون فيها للعيش في أماكن أخرى، اهتم القانون الدولي بحقوق ما يعرف بالنازحين أو المهجرين داخليا Internally Displaced Persons ولا يمكن تجاهل الفارق في الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين بالمقارنة مع أوضاع اللاجئين في مختلف أرجاء العالم؛ لأن الفلسطينيين محرومون حتى الآن من إمكانية العودة إلى بلد المنشأ، ومحرومون من التمتع بجنسية بلد المنشأ أو بلد الإقامة، وهم مضطرون للعيش كجماعات في ظل قوانين مختلفة تختلف بموجبها أوضاعهم القانونية من بلد عربي لآخر. ومع ذلك تؤكد الدراسات الأنثروبولوجية أن اللاجئين في كل مكان يحاولون التكيف Adaptation من خلال واحدة من العمليات الاجتماعية التالية: الذوبان Assimilation، العزلة Segregation، الاندماج Incorporation، وأخيرا الهجرة Migration . وأيا كان شكل التكيف، يحاول اللاجئون الحفاظ على هويتهم.

ماهية الهوية الفلسطينية

تعتبر الهوية الفلسطينية، ذلك النسق من المعايير التي يعرف بها أي شعب من الشعوب، يتميز بواسطتها عن غيره، الانعكاس المعنوي للعامل الموضوعي المتجسد بالوجود الإنساني للشعب الفلسطيني، والأكيد الملموس على استمراره الزماني رغم انقطاع استمراره المكاني في وطنه نتيجة اللجوء والتشرد والغربة في الشتات. وهي في الوقت نفسه خلاصة ضرورة تاريخية وتجسيد لتجربة نضالية وتراكم خبرات وإخفاقات ونجاحات مر بها الشعب الفلسطيني في خضم المواجهة مع المشروع الصهيوني منذ الربع الأخير للقرن التاسع عشر، وفي مواجهة ازدواجية العدو منذ العقد الثاني من القرن العشرين.

وتولد الهوية الوطنية ضمن علاقات اجتماعية واقتصادية وثقافية متداخلة وتتجلى بأشكال وصيغ متعددة. انسجاما مع الظروف المختلفة لنضال الشعب الفلسطيني، لكن الهوية ليست كيانا مستقلا يعطى دفعة واحدة مرة وإلى الأبد، إنها حقيقة مادية، تولد، تنمو، تتكون، تتغير، تشيخ، قد تنفجر وقد تموت؛ لأنها كأي كيان آخر تحتوي على تمايزات كامنة وتناقضات يتم حلها من خلال التطور، وقد تعاني الهوية الوطنية من الأزمات الوجودية والاستلاب.

العناصر المكونة للهوية الوطنية

1- البيئة الحيوية: قبل النكسة كان ذلك مجسدا بفلسطين التاريخية، وبعد النكسة باتت هذه البيئة متنوعة جدا، ويعتبر المخيم أحد أهم مكوناتها. وتنبع أهمية البيئة الحيوية لأنها إطار النشاط البشري، تطور العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، مكان تطور القوة الاقتصادية ومكان وجود الثروات الطبيعية بشكل عام.

2- التاريخ المشترك: حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، بقيت فلسطين تتأثر بما يجري في بلاد الشام، والعالم العربي بشكل عام، لكن منذ ذلك التاريخ المذكور وبسبب بداية المشروع الاستيطاني الصهيوني، وبعد ذلك صدور وعد بلفور، بدأ الشعب الفلسطيني يصنع تاريخه الخاص به من خلال ثورات 1919 – 1920 – 1929 – 1936 – 1947 – 1948 – واستمر هذا التاريخ رغم النكسة:

 أ – من خلال التصدي لسياسة التوطين.

ب – الثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطيني.

ج – الأخطار التي تهددت الوجود الفلسطيني في كل من الأردن ولبنان خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات.

د- الانتفاضة الفلسطينية.

ه- الإصرار الفلسطيني على العمل لتحقيق تقرير المصير في إطار العملية السلمية القائمة وفق الظروف المتاحة وعلى ضوء موازين القوى الحالية.

3- التكوين النفسي المشترك: وهذا يتجلى من خلال المكونات التالية:

أ- عقدة الأمن الوجودي، حيث يعيش الفلسطيني تحت تهديد دائم لوجوده، بالترحيل والإبعاد من قبل إسرائيل، كما جرى خلال الخمسينيات بعد النكبة، وكذلك بعد حرب حزيران 1967، حيث شرد 180 ألف نازح، وأخيرا بسبب الأخطار المحدقة بالوجود الفلسطيني في الشتات.

ب- عقدة التبعية (الاعتماد على الغير Dependency Complex) وتبدأ من بطاقة الإعاشة كدليل مادي على الحاجة إلى مساعدة والإغاثة إلى البحث الدائم عن دعم عربي وعالمي في الصراع مع إسرائيل، ونتيجة ذلك الدور الذي لعبه الفلسطينيون في الحركات الشمولية، الأحزاب القومية العربية، الأحزاب والحركات الدينية وأخيرا الحركة الشيوعية.

ج- عقدة جواز السفر: إن وثائق السفر مشكلة بحد ذاتها، إذ لا يستطيع اللاجئ الحصول عليها إلا بعد إجراءات طويلة وقد لا تنتهي، وثمة وثائق سفر لا تخول صاحبها العودة إلى البلد الذي أصدرها بدون تأشيرة دخول أو عودة، وقد اضطرت الأمم المتحدة لإقامة مخيم اللاجئين على الحدود بين الدول العربية مرة أو أكثر.

د- عقدة المخيم: الذي يشكل أحزمة بؤس حول المدن الرئيسية لدول المضيفة، ورغم اعتراف العالم بإنجازات الفلسطينيين علميا وثقافيا واقتصاديا، يحرم المخيم في معظم الأحيان من إمكانية التطور.

هـ – المشاعر المرتبطة بوعي الذات، وهي تشمل:

الشعور بالانتماء من خلال روح الجماعة أو التضامن الجمعي، من خلال علاقة الـ(نحن) في مواجهة الآخر، ويزداد الشعور بالانتماء والتحول إلى نرجسية كلما ازدادت محاولات النفي من قبل الأخر، مما يعزز الشعور بالمصير المشترك.

الشعور بالاستمرارية الزمانية قبل النكبة وبعدها رغم الترانسفير والمجازر، وهذا يمثل الإخفاق الكبير للمشروع الصهيوني في نفي الآخر، بل والاضطرار رغم الفارق الكبير في موازين القول للاعتراف به.

الشعور بالتمايز، ومنه تنبع الخصوصية، لكن المبالغة فيه تقود إلى الانعزالية.

الشعور بالقيمة، رغم التشرد والاعتماد على الآخر للبقاء على قيد الحياة، فإن الإنجازات النضالية والثقافية والعلمية ساعدت في تعزيز الشعور بالقيمة، لكن المبالغة فيه تؤدي إلى التعالي والانعزالية.

 الشعور بالاستقلال، وهو الوجه الآخر للشعور بالانتماء، وقد كان مثار جدل مع الأطراف العربية منذ نداء الملوك والرؤساء العرب الشهير بإنهاء ثورة 1936، إلى محاولة جامعة الدول العربية عام 1946 التفاوض مع البريطانيين نيابة عن الفلسطينيين؛ لأن ذلك يعني تجاهل الوجود الفلسطيني، ومعارضة القوى الوطنية الفلسطينية ورقة الجامعة العربية المقدمة إلى مؤتمر لندن 1947 لأنه يؤمن بقاء الاستعمار البريطاني في فلسطين، وبعد قيام م. ت. ف. بات الشعور بالاستقلالية من أهم مكونات العمل السياسي الفلسطيني.

الشعور بالوحدة والتماسك، وقد تعزز من خلال النضالات التي خاضها الشعب الفلسطيني دفاعا عن وجوده وتأكيدا لهويته. ويعتبر الشعور المادة الأساسية للشخصية المستقلة.

ولا بد من الاعتراف أن إدراك خصوصية التكوين النفسي للفلسطينيين ساعد التيار الفلسطيني السائد على تكريس هيمنته على الساحة الفلسطينية وابقاء القول الأخر هامشيا.

لأن الصيرورة التاريخية للهوية الفلسطينية جاءت كرد مباشر على التحدي الذي يمثله المشروع الصهيوني في فلسطين، وقد تطورت هذه الهوية مع تطور الواقع الموضوعي واغتنت بالتجارب وتراكم الخبرات التي أحرزها الشعب في نضاله في ظل الانتداب البريطاني وبعد قيام إسرائيل عام 1948.

المخيم والذاكرة الفلسطينية

لن يتطرق البحث الحالي إلى تجربة اللجوء بدءا من لحظة مغادرة الفلسطينيين قراهم ومدنهم مشيا على الأقدام باتجاه الدول العربية المجاورة وأهم المحطات التي توقفت فيها موجات المهاجرين، جغرافية طرق الهجرة والصعوبات التي لاقاها اللاجئون، أشكال وآليات تعامل سكان المناطق التي دخل إليها اللاجئون، سواء معهم بعض ممتلكاتهم من المواشي والقطعان أم بدونها، كيف وزع هؤلاء اللاجئون على المخيمات، وكيف استقروا في هذا البلد العربي أو ذاك، وما هو مدى الحرية المتوفرة لديهم في ذلك الوقت في اتخاذ مثل هذه القرارات.

هذه الأسئلة وغيرها الكثير تتعلق بأصعب الظروف التي عاشها الشعب الفلسطيني وتشكل نقطة الانطلاق فيما يعرف بالتكوين النفسي للاجئين، ونقطة أساسية فيما يعرف بالذاكرة الجماعية باعتبار اللجوء هو القاسم المشترك والتجربة التي عاشها اللاجئون بغض النظر عن أماكن لجوئهم.

إشكالية الحياة في المخيم

مخيم اللاجئين، مثل القرية، ليس مسبق الصنع، (المستوطنات الإسرائيلية هي التجسيد الحي للمجتمع مسبق الصنع الذي ينتقي أفراده من حيث الانتماء الديني والسياسي وبلد المنشأ والتأهيل المهني ليوضعوا في مستوطنة محددة تكون لها وظيفة محددة). لأن المخيم يخلق ضمن عملية مستمرة، تبدأ المرحلة الأولى بإقامة الخيام في منطقة تقدمها الدولة المضيفة أو تشتريها أو تستأجرها الأونروا. وبعد فترة يزداد عدد سكان المخيم وتتسع رقعته ويبدأ التغيير يدخل تدريجيا في شكل البناء حيث تختفي الخيام بالظهور الأبنية من طابق واحد وسقف من الزنك بعد ذلك، في أماكن متعددة، وعندما تسمح القوانين أو الظروف تبدأ الأبنية الطاقية تأخذ مكان ذات الطابق الواحد.

وبشكل عام، يتألف المخيم من فلاحين معدمين وسكان مدن فقراء وبدو. وقد أصبح هؤلاء جميعا بدون وسائل عيش، يفتقرون للتأهيل العلمي والمؤهلات التقنية والمهارات الفنية؛ لأن الذين يملكون هذه المواصفات فضلوا العيش خارج المخيم، وقد ساعد في ذلك حقيقة أن خدمات الأونروا كانت تشمل اللاجئين داخل المخيم وخارجه. وقد أدى هذا إلى وجود اللاجئين في ظروف اجتماعية واقتصادية وسكنية متباينة. ومع مرور الزمن، وبسبب التزايد الطبيعي للسكان، والقدرة المالية والاقتصادية المتوفرة من الدول في بلدان الخليج أو في البلدان المضيفة أو حتى في دوائر الأونروا ذاتها، يبدأ التوسع السكاني يتجه إلى خارج المخيم بشكل مستمر.

المخيم وصناعة الوجود الإنساني

انقسمت أحياء المخيم بشكل يتيح لأبناء العائلة الواحدة السكن في منطقة واحدة على أساس الحفاظ على وحدة العشيرة أو الحمولة، وفي معظم الأحيان كان أبناء القرية الواحة، وبشكل أدق العائلات والحمايل والعشائر في القرية ذاتها، تسكن في جزء واحد من المخيم. وقد سميت المناطق والشوارع والحارات في المخيم بأسماء القرى الفلسطينية التي يشكل أبناؤها الأغلبية بين السكان. وقد تكرست العلاقات العشائرية والريفية (القروية) في المخيم عبر الزواج بشكل خاص، إذ تنطلق هذه العلاقة من خلال زواج أبناء العمومة، إلى أبناء الحمولة الواحدة، أبناء القرية الواحدة، وأخيرا أبناء المخيم الواحد، وعندما تتجاوز حدود المخيم، لوحظ أن الشكل السائد في العلاقة أن لاجئا يتزوج لاجئة.

وعندما قامت مؤسسات المخيم، وخاصة المخاتير، كان لزاما مراعاة موازين القوى العشائرية السائدة في المخيم، ويلاحظ أن هذه العوامل ساعدت في الحفاظ على التقاليد، المصطلحات، العادات اللفظية، التي كانت وتقف حجر عثرة في تطور المخيم اجتماعيا. ومن جهة أخرى كان لهذه العوامل تأثير ملموس في كيفية حساب موازين القوى، خاصة بعد انطلاقة الثورة الفلسطينية. ويمكن ملاحظة ذلك في المجالات التالية:

العامل الأول يعتمد على العشيرة، وهذا ينطبق على المخاتير، شيوخ العشائر، مجموعات “الصلحة” لحل الخلافات، وهنا لا بد من تناسب بين القوة والنفوذ، من جهة والنسب العشائري.

 برز دور ناشط في فصائل الثورة ومنظمة التحرير الفلسطينية في القوة والنفوذ داخل المخيم.

 الجمع بين مصدري القوة السابقين يزيد من رأس المال السياسي ويسهل الدور الاجتماعي للقيادة داخل المخيم.

وفي أثناء الانتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني، لوحظ أن عملية التصويت للمرشحين سارت على النحو التالي: (هذا المثال مأخوذ من مخيم البريج في قطاع غزة) سكان المخيم صوتوا لممثليهم من المخيمات، سواء أكانوا من داخل المخيم أو من مخيم آخر.

 التصويت على أساس عشائري كان أضعف منه على أساس أبناء مخيمات أم لا. وقد يفهم من ذلك أن الإحساس بهوية المخيم، كما يرى البعض هو من السمات الأساسية للتوجهات السياسية بين الفلسطينيين.

ولقد ساهم المخيم بدور كبير في العمل السياسي الفلسطيني، خصوصا بعد انطلاقة الثورة الفلسطينية، وتشهد شوارع المخيمات المزينة بصور الشهداء، وكذلك آلاف الأسرى والجرحى من المخيمات، على الدور السياسي لهذه التجمعات الفلسطينية التي كانت قاعدة العمل السياسي الفلسطيني، حاضنة الثورة، بؤرة التدريب والإعداد، مكان لقاء القاعدة بالقيادة السياسية والعسكرية، وهي الأرض التي شهدت الأفراح الفلسطينية وأبشع المجازر التي دبرها أعداء الفلسطينيين (مذابح ضبيّة، الكرنتينا، جسر الباشا، تل الزعتر، النبعة، صبرا وشاتيلا… إلخ) وهي كذلك الأرض التي شهدت الخلافات والانشقاقات والاشتباكات الفلسطينية.

وهنا نطرح السؤال أو الأسئلة التالية: إلى أي مدى تعتبر هذه التشكيلة مسؤولة عن ظهور ما يعرف “العشائرية السياسية”، المناطقية الفصائيلة داخل العمل الوطني الفلسطيني؟ ما هو دور هذه التشكيلة في بروز ظاهرة القائد، الزعيم ذي الطابع الأبوي الذي يكرس عبادة الفرد والولاءات الشخصية؟ وأخيرا: هل هذه القاعدة مسؤولة عن تجاهل القيادة للمؤسسات والدساتير الخاصة بالعمل السياسي؟

المخيم والذاكرة الجماعية

تقول الدراسات الأنثروبولوجية المعاصرة إن الذاكرة الجماعية تديم الهوية من خلال عملية استحضار تاريخ مشترك، ولما كان التاريخ القريب هذا أو المعاصر لجماعة اللاجئين بشكل عام هو التشرد والتشتت وتحطيم القاعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لمجتمع ما قبل اللجوء. تبدأ الجماعية بتشكيل ذاكرة جماعية لها تشمل مرحلة ما بعد اللجوء وتقفز عائدة إلى الوراء، وتؤكد الدراسات الأنثروبولوجية أن العلاقة بين اللاجئين وعملية إعادة الوعي الوطني التاريخي هي أكثر وضوحا بين اللاجئين القاطنين في مخيمات مما هي بين أولئك الذين يعيشون في خارجها. وقد أكد اللاجئون الفلسطينيون قدرة الإنسان بشكل عام على الإبحار عبر الظروف الصعبة ليبنوا عالمهم الخاص بهم، والذي يختلف نوعا ما عن المنحى التاريخي للأحداث وأن ينجحوا في تحويل العقبات إلى عوامل مساعدة. إلى ذلك أيضا، نجح اللاجئون في أن يتحولوا إلى جماعات منسجمة رغم وجودهم في ظروف لم يعتادوا العيش فيها من قبل، وأظهروا قدرة مشهودة في تنظيم أنفسهم والتأقلم مع المجتمع الجديد بكل نظمه وقوانينه.

لكن هذه العملية المعقدة سارت بشكل متواز مع عملية أخرى هي تشكيل الذاكرة الجماعية في ظل الظروف استثنائية جدا أصبح فيها الوطن مجرد رؤية وليس واقعا إقليميا أو مؤسساتيا، وبالتالي غدت المهمة الملحة هي تذكر ماض وطني موحد. وساعد الأمل في العودة، باعتباره العامل المشترك بين اللاجئين، في تجديد النشاطات السياسية والإنسانية والتربوية بين اللاجئين وساهم أيضا في خلق ذهنية اللاجئ التي تكيفت مع الواقع الجديد وبسطت عناصره المعقدة؛ وهو ما مكن اللاجئين من الحفاظ على احترام الذات وأعطتهم المقدرة على تحمل كل الظروف التي لا تطاق، وبدون الأمل في العودة كان من الضروري أن يتحول اللاجئون إلى ركام إنساني لا أمل في إنقاذه.

وقد بدأت عملية تكوين الذاكرة الجماعية بين اللاجئين عندما كانوا يجلسون أمام خيامهم يتذكرون قراهم، يتحدثون عن ماضيهم بين أنفسهم ومع أسرهم وأمام أبنائهم وأحفادهم الذين كانوا يستمعون. حيث الذكريات دائما تبدأ حول الحياة في القرية قبل عام 1948، ومن خلاله يتم وصف أسلوب الحياة والعمل بأدق التفاصيل، بما في ذلك التواريخ والشواهد والأساطير، الأرض، إنتاجها، كيفية العمل بها ومتطلبات ذلك، المواسم الأعياد، المناسبات، التقاليد، التاريخ الوطني للقرية ودورها في ثورات 1929، 1936، وحرب 1948، الحديث عن الأبطال والشهداء… الخ. ومع مرور الزمن أصبحت هذه الأحاديث والذكريات جزءا من عملية معقدة تهدف إلى خلق ذهنية عامة، وأصبحت مهمة الأجيال التي لم تعرف فلسطين أن تحدث أبناءها وأحفادها عن برتقال فلسطين، عن المواسم والأعياد فيها، وبات الحديث يتسع ليشمل ذكريات المخيم الذي أصبح في الشتات رمزا لفلسطين. وتلعب هذه الأحاديث دورا كبيرا في زرع روح النضال والتحدي، خصوصا عندما تنتهي دائما بأمنية كبار السن أن يموتوا في فلسطين أو أن يدفنوا في أرضها.

الوطن الحقيقي والوطن المتخيل في المخيم

أدى زلزال 1948 وتشرد القسم الأكبر من الفلسطينيين وتحولهم إلى لاجئين لا حول لهم ولا قوة ينتظرون المساعدات من الأمم المتحدة، إلى توجيه ضربة للشعور بالقيمة تجلت من خلال السلوك الجماعي النكوصي المتمثل برفض الواقع ولو ذهنيا والتمركز على أحاديث وذكريات الأمس. قبل التشرد. ومن المعروف أن الحديث في مثل هذه الظروف يميل إلى الأسطورة واليوتوبيا أكثر منه إلى الحديث الواقعي.

والعامل الأساسي في ذلك هو أن الوطن تحول إلى رؤية أو حلم أكثر مما هو وطن ترابي، وكلما ازدادت الظروف قسوة ازداد هذا السلوك النكوصي. ويقول علم النفس الاجتماعي إنه في مثل هذه الظروف تلجأ الجماعة/ سكان المخيم مثلا، إلى خلق صورة لهويتهم غير الترابية في مخيلتهم، ويقيمون روابط بين الأفراد والذين لم يسبق لهم رؤيتهم ولا يحتمل أن يروهم في المستقبل القريب.

ولو انتقلنا إلى الهوية المتخلية في المخيم، وأخذنا في الاعتبار أن الأغلبية الساحقة من سكان المخيم هم من الفلاحين والمزارعين والبدو لوجدنا أن آلية خلق هذه الهوية تسير وفق المنحى التالي.

يعرف الناس في المخيم أنفسهم استنادا إلى القرية المنشأ في فلسطين.

أداة تكوين الذاكرة الشعبية هي الأحاديث والقصص الشفاهية عن القرية.

تصبح الهوية/ الوطن المتخيل/ لا تنفصم عن صورة القرية المنشأ. بل إن صورة فلسطين المتخيلة تنطلق أساسا من صورة المكان الذي ينتمي إلية هذا الفرد أو ذاك.

بما أن مرجعية الذكريات والحكايات الشعبية ليست للدولة أو الوطن بشكل عام، بل للقرية المنشأ. تنقلب العلاقة الطبيعية بين المدينة والريف. وينظر إلى المدن الفلسطينية الكبرى مثل القدس، حيفا، يافا، عكا من خلال علاقاتها بالقرية.

المخيم ووعي الذات: الـ”نحن” والـ”هم”

في الذاكرة الشعبية وفي الأدبيات الأساسية للثورة الفلسطينية، ينظر إلى المخيم واللجوء باعتبارهما جزأين يمثلان التاريخ الفلسطيني والمقاومة، ويوصف المخيم بأنه طليعة الشعب والمكان الذي يضمن الإحساس بالأمن والكرامة الوطنية. وأن وجود المشاعر المشتركة يحفز الأساس للتميز الذاتي عن الآخر، وهو رمز الوطن، فلسطين.

ولما كان المخيم، ولو من الناحية النظرية المحصنة، مكانا فلسطينيا مئة بالمئة، وأن الأغلبية الساحقة من سكان المخيم لا حظوظ لهم للاندماج مع سكان البلدان المضيفة بالمقارنة مع اللاجئين الذين لا يسكنون في المخيمات. فهذا يعني أن ثمة تمايزا بين أبناء المخيمات وغيرهم من اللاجئين بدأ يتبلور، وهذا التمايز قائم أساسا على الإحساس بالهوية المشتركة لدى طرفي المعدلة، وتشير العلاقة بين الطرفين إلى أنه عندما كان الخطر يتهدد الوجود الفلسطيني، كان المخيم يشكل مصدر جذب للقاطنين خارجه، بينما العلاقة في الأحوال العاجية كانت معكوسة، أي تحرك الناس للعيش خارج بسبب أزمة السكن.

وإذا نظرنا إلى وعي الذات من خلال العلاقة مع الآخر نجد العلاقة المركبة التالية:

في الأردن، حيث منح الفلسطينيون جوازات سفر بعد مؤتمر أريحا وانضمام الضفة الغربية إلى الأردن، أخذ وعي الذات مضمونا سياسيا، على أساس الهوية. وفي ظل العملية السلمية تفجر السؤال مرة أخرى حول من هو فلسطيني ومن هو أردني، وثمة أصوات داخل الأردن تحذر من فلسلطنة اقتصادية وديمغرافية ومالية. وأردنة قانونية. وتفيد الدراسات الميدانية التي أجريت في بعض مخيمات الأردن، خصوصا مخيم البقعة أن المساواة الكاملة لم تتحقق، وأن ثمة تمييزا في مجالات العمل.

أما في لبنان، فينظر إلى اللاجئ على أنه غريب تماما وغير مرغوب فيه، ترفض الحكومة اللبنانية تقديم أي مساعدة له حتى في مجال توزيع أدوية السرطان والإيدز التي توزع على دول المنطقة مجانا من قبل منظمة الصحة العالمية واليونيسيف. وتجاهر الحكومة اللبنانية بحرمان اللاجئين من كل الحقوق المدنية، بما فيها حق العمل والإقامة والحركة. ويتساوى سكان المخيم مع غيرهم من اللاجئين بالشعور بالمرارة والسخط والخوف من المستقبل بسبب انعدام الأمل، وثمة شعور سائد بأنهم، نتيجة خروج المقاومة من لبنان عام 1982 وقد تركوا في الخلف بدون من يهتم بأمورهم.

الخلاصة

يلعب المخيم باعتباره وسطا اجتماعيا ذا محتوى اجتماعي/اقتصادي سياسي، دورا مهما في حفظ اللاجئ ومنعه من التلاشي ومساعدته بالتدريج في البداية على التكيف مع الواقع الجديد، ومن ثمة تكوين وعي للذات (هوية وطنية) فيها من العوامل القديمة باعتبارها استمرارا للوجود الفلسطيني زمانيا، وفيه من العناصر الجديدة بسبب تراكم الخبرات والتجارب. وهذا سلاح ذو حدين، فهو يغني الهوية الوطنية بمكونات جديدة من جهة وقد كون له آثارا سلبية في حال تمزق الهوية لأي سبب من الأسباب.


*هذه المقالة هي قراءة في بحث تم نشره في مركز الإعلام والمعلومات الفلسطيني وقد أعدت هذه القراءة محررة الصفحة.