الشيخ محمد الغزالي 14/04/2004
 

 

أجمع أولو الألباب من عدو وصديق على أن الإسلام عقائد وشرائع، وعبادات ومعاملات، وأخلاق ونظم، وتراتيب إدارية وتقاليد اجتماعية، وأنه يكلف أتباعه بتطويع الشئون العادية لخدمة ذلك كله. وكنا في أثناء دراستنا الإسلامية نعرف الفرق بين الإسلام والفكر الإسلامي، وبين الإسلام والحكم الإسلامي، الإسلام وحي معصوم لا ريب فيه، أما الفكر الإسلامي فهو عمل الفكر البشري في فهمه، والحكم الإسلامي هو عمل السلطة البشرية في تنفيذه، وكلاهما لا عصمة له.

وعندما يخطئ مفكر فإن خطأه لا يبقى طويلاً حتى يستدرك عليه مفكر آخر.

وعندما يخطئ حاكم فإن زلته لن تطول حتى يصوبها ناقد راشد.

والأمة الإسلامية -بفضل الله- لا تجمع على خطأ، وجهاز الدعوة بها حساس، وهو عن طريق التعليم والأمر والنهي ينصف الحق. ولما كانت هذه الأمة حاملة الوحي الخاتم فإن القدر يؤدبها إذا استرخت أو فرطت حتى تلزم الصراط المستقيم، ويتعهدها بالمجددين الذين يغارون على حقائق الوحي وسبل فقهه وأساليب حكمه، قال تعالى: “وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ” (الأعراف: 181).

سر أخطاء المسلمين

ومن هذا التقديم يظهر أنه لا غرابة في وجود أخطاء في تاريخنا الثقافي والسياسي، إنما الغرابة في التستر على هذه الأخطاء أو الاستحماق في معالجتها والتعفية على آثارها.

وجمهور المسلمين يعلم أن سلفنا الأول شغله قتال الاستعمارين الرومي والمجوسي، ولعله أشرف قتال عرفته الدنيا، ولكنه يشعر بغضاضة وألم لما أعقب ذلك من قتال داخلي بين المسلمين أنفسهم، كانت له آثار بعيدة المدى على حاضرهم ومستقبلهم.

وجمهور الفقهاء والمؤرخين والدعاة يؤكد أن علي بن أبي طالب -الخليفة الرابع- كان إمام حق، وأن معاوية بن أبي سفيان كان يمثل نفسه وعصبيته في خروجه على علي، وشاء الله أن يكسب معاوية هذه المعارك، ومن ثَم تحولت الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض في بني أمية.

ومع أن هذا التحول كان هزيمة للحق وضربة موجعة للمثل العليا، فإنه من الغلو المرفوض تضخيم نتائجه؛ لما يأتي:

(أ) أن الخلفاء أو الملوك الذين وُلوا أمور المسلمين بطريقة غير صحيحة أعلنوا أن ولاءهم للإسلام، وأن التغير في أشخاص الحاكمين لا يعني التغير في القوانين أو الأهداف الإسلامية، ومن أجل ذلك استأنفوا الجهاد الخارجي، كما تركوا للفقهاء حرية الحركة، ما لم يمسوا سلطانهم في الزعامة.

(ب) أن العلم الديني مضى في طريقه يوسع الآفاق ويربي الجماهير ويقرر الحقائق الإسلامية كلها من الناحية النظرية، أي أن الإسلام الشعبي مع ازوراره عن السلطة بقي قديرًا على الامتداد والتأثير.

(ج) مع أن الدولة كانت عربية تتعصب لجنسها، فإن الجماهير والت تعاليم الإسلام وحدها، وألقت قيادها في أغلب العواصم لفقهاء ودعاة مربين من الأعاجم!.

وأجدني هنا مسوقًا لتوكيد حقيقة مهمة: إن الجنس العربي له خصائص رفيعة رشحته لظهور الإسلام فيه واختيار النبوة منه، وهو إلى جانب ذلك جنس له نقائص منكورة؛ مثل الاعتزاز بالنسب إلى حد السخف، وازدراء الحِرَف من فلاحة وصناعة، والحرص على الإمارة ولو بطريق اللف والخطف.

وقد أفاد الإسلام من خصائصه وخبر من نقائصه، ومن أجل ذلك نريد أن نضع فواصل بارزة بين التعاليم الإسلامية والتقاليد العربية، فإن الأخيرة غلبت الأولى في مجالات كثيرة.

إن أسرتين عربيتين احتكرتا في ذراريهما مهام الخلافة العظمى بضعة قرون، إلى أن سقط الإسلام بحكامه هؤلاء تحت وطأة التتار في بغداد، وتحت وطأة الصليبيين في الأندلس، بأي منطق وقع ذلك؟

إن دينًا عالمي الشرائع والشعائر لا يحتمل هذا السفه!

وجاء العثمانيون فقلدوا العرب!

ولماذا يكون عثمان التركي أقل من حرب أو هاشم المولودين في بطحاء مكة؟

لقد بقيت هذه الغلطة حتى أنزلت لواء الخلافة عن الأستانة وحلت بالإسلام نكبة هائلة مهينة. وأرى أن الروح القبلية عند العرب كانت من وراء هذا الانحدار كله، قديمه وحديثه. وعلى العرب أن يحترموا الإسلام، وليس على تعاليم الإسلام أن تلين للتقاليد العربية.

والعرب -مع بعض الأمم القديمة- كانوا يؤخرون المرأة ويضيقون بالأنثى! كان الهنود يحكمون على الزوجة أن تنتحر بعد وفاة زوجها! وكان عرب كثيرون يئدون البنت بعد ولادتها.

احترام الإسلام للمرأة

وجاء الإسلام فأعلن حربًا شعواء على هذه التقاليد الهمجية، إلى أن رد للمرأة كرامتها وصان حقوقها المادية والمعنوية. لكن الاستهانة بالأنوثة بقيت كامنة في النفوس، تنشئ تقاليد وتمحو أخرى حتى كادت تعاليم الإسلام تطوى وتحل محلها التقاليد العربية الأولى، وظهر ذلك أول ما ظهر في حرمان المرأة من التعليم، ومن حرمانها من غشيان المساجد والصلاة في الجماعة، وقد وازنت بين النصوص الواردة والشروح المصاحبة لها فرأيت النقائض المضحكة. جاء في الصحاح عن أم عطية رضي الله عنها قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفطر والأضحى أن تخرج العواتق (الشواب البالغات) والحيض وذوات الخدور (المكنونات في الأستار)، ولكن الحيض يعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين! قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب! قال: “لتلبسها أختها من جلبابها”، أي تستعير من إحدى المسلمات جلبابًا وتخرج لتشهد الجماعة.

قال صاحب “التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول”: هذا كان في سالف الزمان، أما الآن فلا يجوز خروجهن لما هن عليه من زيادة التبرج، إلا العجائز إن كان لهن مكان خاص.

وصاحب التاج غفر الله له يتابع في هذا الحكم علماء السنة من قبله، فإن شروحهم غالبًا لا تخرج عن هذا المعنى. والواقع أن أولئك الشراح يذهبون بعيدًا عن مراد الرسول صلى الله عليه وسلم وتجرفهم التقاليد العربية، فينسخون بها أحكام الشريعة ومقررات الدين. وفي حديث جابر -وهو في منتهى الصحة- أن امرأة من وسط النساء سفعاء الخدين استفهمت من الرسول عن بعض ما قال في خطبة العيد، والسفعاء: الحمراء، وزنًا ومعنى، أو التي في حمرة خدودها سمرة! وظاهر أن المرأة كانت سافرة الوجه دون حرج…

انفصال الحكم عن العلم

ومن النكسات التي أصابت جماعة المسلمين وأوهنت قواهم من قديم انفصال الحكم عن العلم وسير كل منهما في مجرى اختص به، لقد كان الخلفاء الراشدون حكامًا وفقهاء معًا، ولست أعني بالفقه الاستبحار في تفاصيل العبادات وفروع الأحكام كما يتصور الناس، كلا، كلا، إنما أعني بالعلم إدراك الأصول والغايات العظمى لدين الله، وإدراك ما يدعمها من حجج وما يشين غيرها من شبه، والقدرة النفسية على الغرس والحصاد والكر والفر.

إن المرء ليغوص في بحار الحيرة عندما يرى كرادلة العالم النصراني يختارون أدهاهم وأذكاهم وأجلدهم على خدمة الدين، وعندما يرى معتنقي الشيوعية يختارون أقدرهم وأمهرهم وأشجعهم على خدمة المذهب! على حين يقود المسلمين على مر التاريخ رجل أعظم مؤهلاته أنه ينتمي إلى المأسوف على شبابه أمية بن حرب! أو الصحابي المعروف العباس بن عبد المطلب (نحن نحب نبينا من أعماق قلوبنا، وهو عليه الصلاة والسلام الذي شرح لنا سنن الخلافة الراشدة، فليس لأحد من أسرته أن يحبسها في ذريته بضعة قرون) أو ابن الأناضول عثمان بن هيان بن بيان!.

إن أولئك الخلفاء لا ترشحهم مواهبهم الخاصة لمنصب ذي بال، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله إلا ما يشجب هذا المسلك، بيد أن تقاليد العرب اعوجت بتعاليم الإسلام كرهًا ودفعتها في هذا المجرى!.

ونشأ عن ذلك أن العلم بدأ يستوحش، وقد كابر وقاوم واستمسك بحقه في الحياة مستمدًّا كفاحه من تعاليم الإسلام وما بقي له من كرامة بين الجماهير.

لكن العلم -وأعني الديني منه خاصة- أخذ ينحدر وتقل وجاهته، وانصرفت عنه كل الانصراف الطبقات الثرية أو المرشحة للوظائف العليا، ولم يبقَ على الوفاء له إلا بعض المغامرين بأولادهم في سبيل الله، أو بعض الذين عز عليهم السير في ميدان آخر من ميادين المعرفة، فرضوا بما لا محيص عنه أو لا مفر منه.

ومن انفصال العلم عن الحكم ورث المسلمون المعاصرون مشكلتين جديرتين بالنظر العميق: الأولى: هجرة العقول الكبيرة إلى الغرب. والأخرى: رداءة الأوعية الحاملة للفقه وطلبها للدنايا تحت أقدام المستبدين.