حاوره: هادي يحمد**– 20/06/2004
إريك جيوفروي

اعتبر المستشرق الفرنسي المسلم “إريك جيوفروي” (المختص في الصوفية بجامعة لوكسمبورج، شمال فرنسا) أن المستقبل في العالم الإسلامي سيكون حتما للتيار الصوفي.

وفي هذا الحوار الخاص لـ”إسلام أون لاين.نت” يعتبر المستشرق الفرنسي -الذي عاش في القاهرة وعدة مدن خليجية- أن العمل السياسي الإسلامي لا يتوفر على قوة الروحانيات التي تمتلكها الصوفية، نافيا في ذات الوقت أن تكون الصوفية منفصلة عن واقعها الاجتماعي والسياسي.

* مع بروز المعارضة الإسلامية للاحتلال في العراق، هل تعتقد أن ما يسمى بالعمل السياسي الإسلامي قد عاد ليكسب أراضي جديدة؟.

– لا أعتقد أن العمل السياسي الإسلامي قد عاد بالفعل ليحتل الواجهة من جديد؛ ففي مصر التي هي المهد الأول للإسلام السياسي نجد أن هناك نوعا من الانكماش عن الشأن السياسي، وغلبة الجانب الدعوي. لذلك لا أعتقد أن الظاهرة الإسلامية تكسب مزيدا من المساحات في العالم العربي والإسلامي. والعراق يبقى حالة خاصة، والمقاومة التي انبعثت ضد الاحتلال هي من وجهة نظر معينة ضد مشروع إمبريالي يرمي في بُعد من أبعاده إلى تجسيم حلم إسرائيل الكبرى، والنفط يبقى هنا عاملا ثانويا. فالمسألة الدينية ليست غائبة عن قضية احتلال العراق، ونحن نعلم أن لجورج بوش ارتباطات بخط متطرف داخل الكنيسة الكاثوليكية، وهذا ما لا يجب إهماله.

وفي علاقتها بالحركات الإسلامية بالذات نجد أن الأنظمة العربية عملت على إدماج الصوفية في الحكم بهدف محاربة الظاهرة الإسلامية، فوزير الأوقاف المغربي أحمد التوفيق هو صوفي، كما أن الشيخ أحمد الطيب في مصر -وهو خلواتي- أصبح رئيس جامعة الأزهر بعد أن كان مفتيا للديار المصرية، وفي الجزائر نجد أن بوتفليقة قريب جدا من الصوفية، وهو ما برز في حملته الأخيرة.

ما يمكن أن نستخلصه من ذلك هو أن العمل السياسي الإسلامي أقل قوة عما كان عليه مثلا منذ عشر سنوات، وبالمقابل فما ألاحظه هو عودة عامة إلى الصوفية بشكل عام؛ لأن الناس باتوا يعتقدون أنه لا توجد حلول دون روحانيات، وطبعا يجب الانخراط فيما هو اجتماعي وسياسي؛ لأن الإسلام ليس دين اعتزال، ولكننا لا نستطيع أن نبني مجرد مشاريع سياسية دون أن نتحصل على بُعد روحي، وفي هذا العالم المليء بالمساوئ فإن ما يحتاجه الناس فعلا هو الروحانيات الداخلية.

* إذن أنت تعتقد أن الحركة الصوفية يمكن أن تكون بديلا للعمل السياسي الإسلامي في العالم الإسلامي؟.

– هذا ما أعتقده، ولست الوحيد الذي يعتقد ذلك، وما أعنيه بالصوفية هنا ليس الصوفية الشعبية، ولكن الصوفية بمعناها الروحي؛ لأن الصوفية تمكننا من العودة إلى الإسلام الإنساني والعقلاني، وهي المنزلة التي لا يمكن بلوغها إلا بالإسلام الروحاني قبل كل شيء.

* ولكن الصوفية كحركة دينية كانت دائما على هامش التغيير السياسي في العالم الإسلامي، بل إنها في أمثلة عديدة تحالفت مع المستعمر وأوجدت له الشرعية!.

– هذا غير دقيق تماما؛ لأن جزءا من رجال الإصلاح ومقاومة الاستعمار كانت منطلقاتهم صوفية، فعندما ننظر -مثلا- إلى الأمير عبد القادر في الجزائر، نجد أنه كان رجل سياسة وأيضا أحد كبار رجال الصوفية في نفس الوقت، ويمكن من خلال أنموذجه أن نفهم معاني الصوفي المقاوم. فالصوفي هو الذي يريد أن يكون حركيا في الكون مع مصدر روحاني، بينما الإسلامية السياسية تنتج خطابها الخارجي الشكلي والأيديولوجي دون أن يكون لها سند روحي قوي.

* ولكن هناك من يرى أن الصوفية لها خلفية أيديولوجية أيضا، وهناك من يقول إنها بوابة لعلمنة العالم الإسلامي؛ لأن أحد مبادئها الكبرى هو الانشغال بإصلاح النفس، أي اعتبار الديانة شأنا فرديا.

– الصوفية هي أولا وقبل كل شيء العمل على التحرير الذاتي، ولكن عندما نحقق التحرير الذاتي يمكن العودة إلى الخطاب بين الناس، وهو ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم. وعندما نتابع حياة جميع أساتذة الصوفية نجد أنهم لم يعيشوا خارج إطارهم الاجتماعي، فصحيح أنه في فترة معينة يعيش الصوفية “الخلوة” في الصحراء أو في غيرها، ولكنهم يعودون بعد ذلك إلى الناس والمجتمع، إذ إن لهم دورا اجتماعيا مهما في هذا الإطار.

فالطرح الذي يقول: إن الصوفية لا يفكرون إلا في الخلاص الفردي هو طرح مغلوط، وعندما نعود إلى تاريخ الصوفية نجد أن هذا غير صحيح، فقد مارس الصوفية السياسة في أحيان كثيرة كما مارسوا أدوارا ثقافية واجتماعية، ثم إننا يمكن أن نلحظ أن هناك مدا جديدا من الأجيال الجديدة للصوفية يعي الأبعاد الاجتماعية للصوفية. فإلى حد سنوات السبعينيات كان الانطباع الحاصل أن الطرق الصوفية مرتبطة بسن معينة متأتية من التقليد، وماكثة في الزوايا والتكايا، غير أن الأمر تغير الآن، فهناك العديد من الشباب غير مكتفين بما يقال لهم وينظرون إلى كون الصوفية عملية تحرير داخلي وخارجي في نفس الوقت.

* عندما ننظر إلى الاحتلال في فلسطين أو العراق وأفغانستان والشيشان، وضرورة تحرير الأراضي العربية والإسلامية تحريرا فعليا نتساءل عن مدى جدوى التحرير الذاتي بالمعني الصوفي؟.

– إذا أخذنا فلسطين كمثال، فيجب أن نعلم أن هناك صوفية يسعون إلى لقاء رجال روحانيين يهود من أجل تحقيق السلام، فهناك الطريقة الإبراهيمية التي تعمل بكفاءة في الأراضي المحتلة، لماذا الإبراهيمية؟ لأن إبراهيم هو أصلنا جميعا، وهذه الطريقة تدعو إلى عدم استعمال العنف من أجل تجاوز المأزق السياسي. ولكن هناك طرقا صوفية أخرى تناضل ضد إسرائيل أيضا، ولكن بطريقتها. فعندما ننظر إلى الطرق الصوفية في سوريا نجد أنها تقوم بدور بارز في الدعوة إلى الصمود ضد التدخل الخارجي اليوم. وعندما نعود أيضا إلى الطريقة السنوسية في ليبيا سنلحظ أن الصوفية قاومت الاستعمار الإيطالي، كما أن الزوايا المغربية في القرن الثالث عشر قاومت الاستعمار البرتغالي.

هذا لا يعني أن الزوايا كانت دائما مراكز مضيئة، ولكن هناك من الزوايا من تستجيب لروح الصوفية الحقة التي تتميز بالانفتاح.

* هل هذا يعني أن الصوفية هي المجسم الحقيقي للبعد الإنساني للإسلام؟.

– بالضبط، ولهذا يقول الصوفيون بأن الصوفية هي قلب الإسلام، فإلى عهد الغزالي كانت الثقافة الإسلامية مطبوعة بالصوفية، حتى بالنسبة لرجال الإصلاح، رغم أن هذا الكلام لا يقال كثيرا.

ورغم أن الوهابيين حاربوا الصوفية في العصر الحديث، فإن التيار السلفي الإصلاحي لم يحارب الصوفية بشكل مطلق، ولكنه حارب المظاهر الشعبية منها وبات مقتنعا بأن الصوفية هي إحدى الفرق الإسلامية.

* عندما نتحدث عن الإسلام الفرنسي وطبقا لرؤيتك التي طرحتها لا نرى له من مستقبل إلا المستقبل الصوفي إذن؟

– نعم هناك بداية توجه في هذا الإطار، وحتى الرأي الشعبي الفرنسي مقبل على هذا الاتجاه الروحي ويشجعه، فكثير من الفرنسيين يبحثون خارج المسيحية عن أبعاد روحية، والصوفية في هذا الإطار، فإن الصوفية الإسلامية تجذب أكثر من غيرها، خاصة عندما نعلم أن أكثر شاعر مقروء له في الولايات المتحدة هو ابن الرومي، أي شاعر صوفي، ونلاحظ أن الكثير من المعتنقين للإسلام في فرنسا مثلا جاءوا للإسلام عن طريق الصوفية.

حتى بالنسبة للاتجاه الجديد داخل الشباب من أصول مهاجرة، فإنه مقبل على هذا التوجه الصوفي، وهناك فكرة متواترة ولكنها صحيحة تماما في الغرب، وهي أن الناس لهم كل شيء في الجانب المادي، غير أنهم يفتقدون الجانب الروحي، وبذلك تمثل الصوفية الصوت الحي الذي يناديهم. ولكن لماذا صوفية الإسلام؟ لأن صوفية الإسلام قريبة من الأوربيين أكثر من غيرها، فاليهودية دين مغلق، والمسيحية لا تمتلك زخم الإسلام الروحاني، والبوذية بعيدة عنهم.

اقرأ أيضًا:

شارك في ساحة الحوار:

**صحفي تونسي مقيم بباريس