الأستاذ فؤاد شاكر

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أشهد فيها عودة الحجيج من عرفات، ومع ذلك فإن ما خلّفته في نفسي هذه النظرة من المشاهد لا يمكن أن ينسى، بل لا يمكن أن يغيب عن تفكيري وخيالي مهما تعاقبته الآماد، وتكرر اختلاف الليل والنهار.

نعم لقد شهدت نفرة الحجاج في حج هذه العام؛ فشهدت فيها من صدق هذا التعبير الرقيق ما دفعني إلى تسجيل معناه اللطيف، فالواقع أن الحجيج لم يدلف، ولم يثر، وإنما هو نفر نفار الظبي الشرود حين أجفل من مكان وأنس إلى آخر، في حين أن المعاني الأخرى كمعاني الدلف أو الزحف، أو الثورة، أو الهجوم لا تعطيك الصورة اللطيفة التي يرسمها في ذهنك معنى النفار وما فيه من رقة الغزل أو جلال الجد ووقاره، مصداقًا لقوله تعالي: “انفروا خفافًا وثقالاً …” (التوبة:41).

لقد غادر عرفات ذلك الحشد الهائل من الكتل البشرية وغير البشرية في لحظة وآن، ونفروا جميعاً لا مدفوعين بعامل الهزيمة من معركة، ولا مقبلين على حرب عوان، وإنما نفروا آنسين مستأنسين فرحين مستبشرين يعلوهم وقار الخشوع وتغمرهم بهجة ممزوجة برهبة، ليست كبهجة المستخف الذي تلعب به نشوة السرور فتذهب بشتى وقاره وجلاله وخشوعه!!.

نفر ذلك الحشد الهائل الذي يبلغ عشرات الألوف مزدحمين في كبد الصحراء، وفي واد فسيح عريض لا يقل عرض طريقه الذي يخترقه ذلك الحشد عن ألف متر… أي نعم ألف متر تمشي فيه ثمانية صفوف من النور والحديد هي السيارات الثقيلة والخفيفة، محملة موقرة، تكاد تنوء بما فوقها من أحمال وتكاد ترزح تحت ما هي موقرة به من الأثقال!!.

وهذه الصفوف الثمانية تختال، أو تتهادى، أو تتدافع وتئن بين صفين آخرين من البشر وغير البشر من أدوات الركوب والحمل، هي صفوف المشاة من الآدميين الذين لاذوا بسفوح الجبال، وأكناف الربى، وجوانب الأودية ليسلكوا السبل التي تجنح بهم عن طرق السيارات وتنأى بهم عن لجج ذلك الخضم الزاخر، والبحر الفسيح الصاخب المتلاطم!!!.

لقد مشى ذلك الموكب الذاهل المندفع المندفق، لا يلوي على شيء في جانبه أو ورائه، يتطلع إلى الأمام تطلع الرمية وقد انطلقت بها يد الرامي، وسارت أشباح سياراته وإبله ودوابه مسير الفريق الذي يجاهد في سبيل النجاة كل يريد الوصول إلى بغيته، والمضي لطيته، كأن الناس في طريق الحشر أو على شبا الصراط!! كل يريد النجاة بنفسه، والسبق إلى اجتياز خطاياه والفرار من ذنوبه، ذاهلاً عن أهله وذوي قرابته الأدنين، (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه)، وأي شيء يفر منه المرء ويتجافاه سوى أخطائه وخطاياه؟! ثم إلى أين يقبل الإنسان بقضه وقضيضه؟! وإلام يستهدف بنفسه وروحه؟، إن لم يكن إلى انتهاب الخير واحتساب الحسنات والتزود من خير الزاد!!

بهذه الدوافع التي هي ما هي خطورة شأن، اندفع ذلك الآتي المزبد، بل السيل المنهر، وشالت نعامته، وراح في تدفقه يتهاوى كما أنما هو الصخار المنحطة من عل، لا يقف دونها حائل، ولا يكف عن دفعها ظل ولا وابل!! وأضواؤها اللامعة الناصعة تتخاطف الأبصار كأنها شهب صادرة من شهب، أو بريق متلاحق يرسله وميض!! تلكم صورة صغيرة من ذلك المشهد الحفيل العتيد، فهل يمكن لمن يقرأ مقالاً أو يستمع لوصف، أن يقف على حقيقة ما يتخيله في ذهنه عن صورة في هذا الموكب؟! كلا وألف مرة كلا!! فلن تقوى أية ذهنية جبارة أن تقع على خيال يدنيها من حقيقة يقف العجز دونها حائلاً، ويخبو الذهن عندها متقاعساً ذهلا!! وما هي إلا لحظات متتابعات هي وإن كانت في عمر الزمن الحفيل أقصر من رجع الطرف، إلا أنها في غمرة الشدة، وجلال الموقف ورهبة الحال، ونفاد الصبر، أطول من كل ما عرفته الأجيال، في هذا الباب من الأمثال، وهي ساعة لا تزيد.

وناهيك بالساعة حين تمر كلمح البصر، ورجع الطرف، وأنت تتلهف على التزيد منها وبقائها واستبقائها، وناهيك بها وأنت ترى الدهر منطويًا تحت دقائقها وثوانيها، وكأن عقارب الزمن فيها واقفة واجفة، لا تتحرك إلى أمام بمقدار ما ترتد إلى خلف!! هذه هي الساعة التي انقضت بذلك الضجيج والعجيج وفي تلك الرهبة المحفوفة بالجلال حتى تهادى الناس إلى مزدلفة إلى المشعر الحرام، فإذا بهم يبلغون هدفهم، ويصيبون غايتهم، وتنفرج أزمة نفوسهم، بل وتنطلق البهجة من عقالها فتخف إلى كل قلب وتتهادى بين كل أضلع وتحت كل جوانح، وما ذاك إلا لأن القوم قضوا من الحج وطرهم وهم الآن يستريحون من عناء السفر ووعثائه ويذكرون الله عند المشعر الحرام كذكرهم آباءهم، بعد أن حطوا الرحال، وانتشروا في أودية يشع عليها القمر إشعاعا هادئًا لطيفًا ليس هو بالكثير ولا بالقليل.