هي رحلة الحج، تلكم الرحلة التي لا يملها حتى الذين يزورون مرارًا وتكرارًا، فما بالك بشوق المؤمن الذي لم يشرف باللقاء، ولم يسعد بالزيارة؟!.

وما دمنا قد حرمنا من أن نهتف بالتلبية هذا العام في هذه البطاح العامرة، والمنازل العالية؛ فلنحرك بها القلوب، ولنرطب بها الألسنة، ولنهتف مع الحجاج: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك، إن الحمد والنعمة والملك لك، لا شريك لك.

ولنقل لهم:

 

اذكرونا مثل ذكرانا لكم

رب ذكرى قربت من نزحا

 

أية روعة تلك التي تتملك حجاج بيت الله؟ وأي إجلال وجمال يكسوان مواكبهم، السماء تمطر رحمتها، والرحمن يرسل كراماته، والنور يشع من قلوبهم الملتبهة، وحناجرهم الهاتفة تملأ الأرجاء وتغمر الأكوان، ولا عجب، فهم ضيوف الرحمن، وعلى المضيف كرامة الضيفان!.

أكبر ظني أن الحاج هناك يذكر، وهو على سفوح الجبال وهضابها إشراق الحبيب، وطلعته البهية، وجلجلة صوته القوي الحنون بكلمة التوحيد، ويذكر إلى ذلك كيف واجهه القوم البغاة بالظلم والكيد والعنت والقهر، والصلف والجبروت، وهم يعلمون أنه سيد ولد عدنان، وأشرف مخلوق وأعظم إنسان. “والذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون”، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم كان- واثقًا بالنصر، معتمداً على ربه، فأخذ يأمر بالخير في قوة، وينهى عن الشر في إصرار، حتى خلق من الشعب العربي أمة يبصر بعضهم بعضًا على ضوء الإيمان، كما يبصر بعضنا بعضًا على ضوء النهار.

إن الحجاج يذكرون ذلك كله بقلوب خاشعة، وعيون دامعة، فتهتز نفوسهم، وتلين أفئدتهم، ويشتد حنينهم إلى الله سبحانه؛ فيعيشون في ذكريات خالدات؛ وفي نفحات ورحمات.

هناك .. هناك هذا البناء المقدس الخالد على القرون والأجيال، هناك البيت العتيق، ينهل الطائفون حوله من نبع الفيوضات الصمدانية، وتشرق عليهم أضواء التجليات الرحمانية، وتُغفر الذنوب، وتطيب القلوب، ويرضى عنهم الحبيب المحبوب، ويستجيب لهم بكل مطلوب ومرغوب، “الحجاج والعمار وفد الله عز وجل، إن سألوه أعطاهم، وإن استغفروا؛ غفر لهم، وإن دعوا، استجيب لهم، وإن شَفعوا شُفِّعوا”.

ثم عرفات، وما أدراك ما هي عرفات؟ ساحة الرحمة، ومنهل البركة، ومهبط النعمة، سهل فسيح، يجتمع فيه مختلف الأمم، ومتنوع الأجناس، يعلنون هناك توحيد العبودية لله سبحانه، وعلى لواء واحد هو لواء الإسلام، وفي حدود كتاب واحد، وهو القرآن الكريم، “وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله”.

إنها الأماكن الخالدة والآثار الباقية، تُذكِّر المؤمن بمجد الإسلام وعظمة القرآن، وشموخ تعاليمه!! فإذا تحول الركب إلى المدينة المنورة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذكر الجهاد من جديد، وفاضت عيناه، بين يدي النبي الحبيب، صاحب القبة الخضراء وسيد الأصفياء، إلى الشفيع المشفع، إمام المرسلين؛ وقائد الغر المُحجَّلين… هناك يطيب المؤمن أن ينشد:

 

يا خير من دفنت في القاع أعظمه

وطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفــداء لقبر أنت ساكنه

فيه العفاف وفيه الجود الكـرم

أنت الشفيع الذي تُرجي شفاعته

يـوم الزحام إذا ما خيفت النقم

وصاحباك لا ننساهما أبــدا

منا السلام عليكم ما جرى القلم

 

يا وفد الرحمن في دار الرضا والغفران، مرة أخرى:

 

اذكرونا مثل ذكرانا لكم

رب ذكرى قربت من نزحا

 

اللهم اجمعنا على الحق، ووفقنا للحج، وأكرمنا بزيارة بيتك العظيم، ونبيك الكريم، وارفع لواء التوحيد، واهزم جيوش الظلم والبغي والعدوان، إنك يا ربنا على كل شيء قدير.