د. محمد أحمد المسير

إن الحج فريضة تمثل انتصار الإسلام وعزة المسلمين وامتداد نور الله -تبارك وتعالى- في الآفاق، ذلك ما يؤكده تاريخ التشريع الإسلامي، فقد شرع الله الحج وفرضه على أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في العام السادس للهجرة بعد مرحلة من أدق مراحل الجهاد الإسلامي في المدينة المنورة.

لقد وقعت غزوات بدر وأحد والخندق في مواجهة المشركين، وبني قينقاع، وبني النضير وبني قريظة، في مواجهة اليهود، وتحطمت قوى الشرك والشر وارتفعت راية الإسلام.. فقد رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت الحرام، فأخبر أصحابه، وخرجوا لا يريدون حربًا وساقوا معهم الهدي.

ولما وصل الركب إلى الحديبية بدءوا يراسلون قريشًا ليفهموا حقيقة مقاصد المسلمين، وانتهت المشاورات بعقد صلح الحديبية، على أن يرجع المسلمون عامهم هذا، ثم يأتوا في العام القابل ويدخلوا مكة ثلاثة أيام، ونزل قوله تعالى: “لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحًا قريبًا”.

ودخل المسلمون مكة في العام السابع للهجرة في مشهد مهيب، وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأصحابه: وهم يطوفون “رحم الله امرءًا أراهم اليوم من نفسه قوة ” ولم يمض عام آخر بعد عمرة القضاء حتى نقضت قريش عهدها؛ فجهّز رسول الله – صلى الله عليه وسلم- جيشًا يصل عدده إلى عشرة آلاف مقاتل، زحف نحو مكة في رمضان من العام الثامن للهجرة، ولما رأى أبو سفيان زعيم المشركين آنئذ هذا الجيش الجرار قال للعباس عم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيمًا، فقال العباس ـ مصححًا للمفاهيم ـ يا أبا سفيان إنها النبوة.

وتم فتح مكة وتحطيم الأصنام، وكان شعار ذلك اليوم: لا إله إلا الله، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده”. ورغم انهيار دولة الشرك، فقد ظل المشركون يؤدون الحج على طريقتهم الوثنية، فلما كان العام التاسع للهجرة ذهب الصديق- رضي الله- عنه أميرًا على الحجاج من المسلمين، وأثناء موسم الحج نزلت سورة براءة تعلن تصفية الحج من آثار الجاهلية كلها، ونزل قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم”.

وفي العام العاشر من الهجرة خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم في مائة ألف أو يزيدون لأداء حجة الإسلام والبلاغ والوداع، ونزل قوله تعالى: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا”.

وهكذا: فإن الحج يظهر عظمة الإسلام ـ ووحدة المسلمين، وقوة عباد الله المخلصين. وحريّ بمسلمي اليوم أن يغتنموا هذا المؤتمر السنوي الجامع، وهذا الجو الروحاني الرائع ليعيد للإسلام عزته وللمسلمين أمجادهم، وما ذلك على الله بعزيز “ولينصرن الله من ينصره”.