وحيد الدين خان

يقال إن الإمام أبا حنيفة كان يراوده تردد في تحديد أفضل العبادات الإسلامية.. وعندما حج قال: أيقنت الآن أن الحج أفضل العبادات..

ومن الجوانب الخاصة بفضيلة الحج أنه يتعلق بمشروع إلهي عظيم، فهو يذكرنا بالمشروع الذي بدأ بإبراهيم عليه السلام واكتمل بمحمد صلى الله عليه وسلم. ومناسك الحج المختلفة هي مراحل هذا المشروع الإلهي التي يعيدها الحاج بصورة رمزية. فالحاج يفارق موطنه متجهًا إلى الحجاز كما كان إبراهيم عليه السلام قد خرج من العراق متجهًا إلى الحجاز. ويتخلى الحاج عن ملابسه العادية ويلفّ حول جسده رداءين، وهذا اللباس – الإحرام – مماثل للباس البسيط الذي كان إبراهيم وإسماعيل يرتديانه. وعندما يصل الحاج مكة ويطوف حول الكعبة فهو يقلد الطواف الذي قام به إبراهيم وإسماعيل توثيقًا للعهد الإلهي. وعندما يسعى الحاج سبع مرات بين الصفا والمروة فهو يقلّد سعي هاجر بحثًا عن الماء في الصحراء.

وعندما يذهب الحاج إلى منى وينحر قربانه فهو يعيد بصورة رمزية ما فعله إبراهيم حين استعد لنحر ابنه ثم نحر كبشًا بأمر ربه. وعندما يتوجه الحاج إلى الجمرات فيرمي الشيطان بالجمار فهو يكرر عمل إسماعيل عليه السلام الذي رمي الشيطان بالجمرات عندما حاول أن يغويه. ثم يجتمع كل الحجاج بميدان عرفات.. وهذا هو الشكل النهائي للكمات “لبيك اللهم لبيك” التي يردّدها كل حاج. وهنا يجتمع كل الحجاج في ميدان واحد مفتوح فيعاهدون ربهم عهدًا جماعيًا بأنهم سيظلون ينفذّون في حياتهم القادمة ما تعلموه خلال الحج وأنهم سيعيشون مقلّدين حياة أولئك الأبرار الذين يؤدي الحج تذكارًا لهم. وقد وصف القرآن مناسك الحج بالشعائر أي العلامات.. وهي كلها الوقائع التي وقعت لإبراهيم وأسرته خلال تنفيذ الخطة الإلهية التي سبق ذكرها. ويقلد الحاج هذه الوقائع بصورة رمزية ويعاهد ربه بأنه – هو الآخر – سيصبح جزءًا من هذا التاريخ.

فالحاج يعاهد ربه بأنه لو طرأت الحاجة فإنه سوف يحطم حياته القائمة ليتقدم نحو الحق، وأنه سيرضى بترك الراحة والرفاهية واختيار القناعة والبساطة، وأنه سيسعى من أجل الله، وسيطوف حوله، وأنه سيرمي تقاليد الشيطان بالجمار، وأنه سيدور حيثما دار به دين الله وسيستسلم لكل ما يقتضيه هذا الدين. فالحاج يقول لله تعالى بلسان عمله وحاله: إنه لو اقتضت الضرورة مرة أخرى لأجل الدين فإنه مستعد لكي يذهب إلى منتهى ما يمكن أن يذهب إليه أحد من البشر وهو أن “يذبح” ابنه ابتغاء مرضاة الله.

وكانت رحلة إبراهيم عليه السلام من العراق إلى مكة والوقائع التي وقعت هنا بعد مجيئه خطة إلهية عظيمة الشأن بدأ تنفيذها قبل نحو 2500 سنة. وخلاصة هذه الخطة أن الشرك كان قد غلب على الفكر البشري منذ نحو خمسة آلاف سنة؛ لدرجة أن شعبة ما من شعب الحياة لم تكن تخلو من أثر الشرك. واستمر هذا الحال جيلاً بعد جيل، وكانت النتيجة أن قام تسلسل فكري للشرك عبر الأجيال المتعاقبة. وكل مولود في تلك الأزمنة كان يرث عقلية الشرك وينشأ عليها وهذا هو السبب في أن نداء الأنبياء بالتوحيد لم يكن يؤثر فيهم كثيرًا.

وهنا وضع الله تعالى خطة لكي ينشأ نسل جديد من البشر بعيدًا عن مؤثرات بيئة الشرك لكي يفكر بعيدًا عن تسلسل الشرك الفكري.. وكان أنسب شيء لهذا مكانًا غير مأهول، وبعيد عن المستوطنات البشرية. ولذلك اختيرت لهذا الغرض بلاد العرب الصحراوية المجدبة التي كانت منقطعة عن العالم المأهول حينذاك.

والإنسان الأول المطلوب لإنشاء نسل جديد في هذه المنطقة الصحراوية الجدباء هو من يكون مستعدًا ليسكن فيها، مدركًا أنه قد يدفع حياته ثمن العيش بها. وهنا رأى إبراهيم رؤيا بأنه “ينحر” ابنه.. وكان المقصود من هذا هو التأكد مما إذا كان إبراهيم مستعدًا لكي ينضم إلى الخطة الإلهية بحيث يذهب بولده ويسكنه هناك حيث لا شيء غير الجبال المجدبة وصحاري الرمال.. فكان السكن في الحجاز حينئذ مرادفًا للسكن في وادي الموت.

وقد ظل الحجاز غير مسكون في الأزمنة الغابرة لفقدانه الماء والخضرة. وكان الحجاز القديم خاليًا من آثار حضارة الشرك؛ لأنه كان خاليًا من وسائل الحياة. وهذه الخاصية التي أخلت الحجاز القديم من المشركين هي التي أهّلته لكي يُعَدّ به نسل جديد من الموحّدين. وكان وضع إبراهيم المدية على حلقوم ابنه إسماعيل إعلانًا بأنه مستعد لهذه التضحية كل الاستعداد؛ ولذلك اختير إبراهيم وإسماعيل لهذه الخطة الإلهية، وبدأ العمل لإعداد نسل جديد من البشر بإسكان إسماعيل وأمه في منطقة نائية من الحجاز القديم.

وكان إبراهيم عليه السلام قد دعا الله بأن يُظهر رسولاً من نسل إسماعيل.. وقد ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتيجة هذا الدعاء. ولكن، كما هو معلوم، هناك فاصل 2500 سنة بين هذا الدعاء وتحققه. والسبب في هذا التأخير هو أن نسلاً جديدًا كان يُعدّ خلال هذه المدة ليفكّر بعيدًا عن تسلسل الشرك الفكري، ويكون مستعدًا ومؤهلاً نتيجة التربية الصحراوية لكي يقف إلى جانب الرسول ويساعده على تكميل رسالته؛ ولهذا السبب سميت هذه المجموعة بـ “خير أمة”، وهي أغرب أمة في التاريخ، فصحيح أن جزءاً منها عادى الرسول في بداية الأمر إلا أنها وقفت إلى جانبه بكل قوتها عندما فهمت الأمر وأدركت الحقيقة.

وهذا النسل الذي نشأ بمكة قد تداخلته فيما بعد مؤثرات الشرك من جراء تأثير البيئة المحيطة، ولكنه كان نسلاً محفوظًا نقيًا في حقيقة الأمر، وكان الناس على الفطرة الصحيحة باستثناء بعض الأفراد القليلي الفهم. وقد وقف أفراد من هذا النسل موقف المعاداة من الرسول في بداية الأمر، إلا أن معاداتهم كانت تعود إلى الجهل، وعندما أدركوا أن محمدًا رسول حقًا وأن دينه صادق تحولت عداوتهم إلى قبول وتحولوا إلى أصحاب له بكل ما لديهم من همة ونشاط.

وكانت الصفة المميزة للنسل – الذي أعده إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه رمزيًا – هي أنه كان ينظر إلى الأشياء نظرة حرة مستقلة، وكان بإمكانه أن يعترف بمثل هذه الحقيقة، فكان هذا النسل يتمتع بكامل الكفاية للاعتراف بالحقيقة. ونورد هنا ثلاثة أمثلة مختلفة تؤكد هذه الحقيقة.. ويتعلق المثال الأول بالفئة التي آمنت بالحق فور اطلاعها عليه، والفئة الثانية أنكرت النبوة في بداية الأمر إلا أنها بادرت إلى الاعتراف بها عندما فهمت الحقيقة، أما الفئة الثالثة فلم تعترف للحفاظ على رئاستها ومراكزها إلا أن هذه الفئة أيضًا لم تكن تخلو من هذه الصفات العالية.

1- كان خالد بن سعيد بن العاص من أوائل الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء خالد إلى رسول الله ذات يوم وقال: “يا محمد إلام تدعو؟ قال: أدعو إلى الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع ولا يدري من عبده ممن لم يعبده. قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله”؛ فسُرَّ رسول الله بإسلامه، وتغيب خالد، وعلم أبوه بإسلامه فأرسل في طلبه من بقي من ولده ممن لم يسلم ورافعًا مولاه، فوجدوه فأتوا به إلى أبيه أبي أحيحة فأنّبه وبكّته وضربه بمقرعة في يده حتى كسرها على رأسه ثم قال: اتبعتَ محمدًا وأنت ترى خلافه قومه وما جاء به من عيب آلهتهم وعيب من مضى من آبائهم؟ فقال خالد: “قد صدق والله واتبعته” (الطبقات الكبرى لابن سعد، 4/94 طبعة دار بيروت، 1398/ 1978).

وكان خالد يقول بعبارة أخرى: إنه عندما يقول محمد القول الحق، فكيف يمكنه ألا يعترف برسالته ويؤمن بها.

2- ويتعلق المثال الآخر بسهيل بن عمرو الذي كان مندوب أعداء الإسلام عند صلح الحديبية.. وعندما بدءوا في كتابة المعاهدة بعد مفاوضات طويلة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يملي نص المعاهدة: “هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله”، فاعترض سهيل بشدة على كلمة “رسول الله”، وقال: “والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك”.

ويخبرنا التاريخ أن سهيل بن عمرو كان صادقًا كل الصدق في كلماته هذه وكان يعارض الإسلام بسبب جهله ليس إلا، أما حينما أدرك سهيل فيما بعد أن الرسول صلى الله عليه وسلم نبي صادق فإنه آمن به وسخّر حياته كلها لأجل الإسلام. وقد وقف سهيل موقف صدق يذكره التاريخ حين همت قريش بالردة في أعقاب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا هو النسل الإنساني الذي أنشأه إبراهيم عليه السلام بـ “ذبح ولده”، وتكونت “خير أمة” من صفوة هذا النسل والتي قبلت بدين التوحيد قبولاً كاملاً، وقضت على عصر الشرك بتضحيات لا مثيل لها وفجّرت عصر التوحيد..

واستغرق تنفيذ هذه الخطة ألفين وخمسمائة سنة ابتداء بإبراهيم عليه السلام وانتهاء بمحمد صلى الله عليه وسلم. وكان مركز هذه الخطة تلك المنطقة من بلاد العرب التي تسمى بالحجاز ومركزها مكة. والحج إعادة رمزية لذلك التاريخ. والمسلمون يعاهدون ربهم مرة أخرى عبر شعائر الحج بأنهم راغبون في الاشتراك في هذه الخطة الإلهية.. فهم يتقاطرون إلى أرض إبراهيم وإسماعيل رافعين شعار “لبيك الله لبيك”، ويقلدون بصورة رمزية خلال أيام معلومات ما وقع عليهما في حقيقة الأمر، وهم يقولون لله تعلى إنه لو دعت الحاجة فهم مستعدون لإعادة ذلك التاريخ الذي وقعت أحداثه على هذه الأرض..

وقد استدار الزمان اليوم مرة أخرى فوصل إلى ما كان عليه في عصر إبراهيم عليه السلام فكان (الشرك) يسيطر على فكر البشر في تلك الأيام، أما اليوم فيسيطر (الإلحاد) على الفكر العالمي.. وإذا كان إنسان العصور الغابرة يفكر في قالب الشرك فإنسان العصر الحاضر يفكر في قالب الإلحاد.

والحقيقة أن قضية العصر الحاضر هي عين قضية العصر القديم، مع فارق واحد وهو أن شاكلة الشرك كانت تغلب أذهان الناس في العصور الغابرة، أما اليوم فتغلب عليهم شاكلة الإلحاد. وأهم واجب إسلامي اليوم هو تحطيم هذه الشاكلة الفكرية، ويجب أن تسير حملة الإسلام اليوم على نفس المنهج الذي سارت عليه في قديم الزمان.

ويجب أن يستعد البعض مرة أخرى للذبح، ويجب مرة أخرى أن يُسكِن البعض أولاده في “الصحراء” لإحياء تاريخ الدين من جديد. وكان القضاء على عصر الشرك يتطلب التضحية بنسل بشرى، واليوم نحتاج إلى تضحية مماثلة للقضاء على عصر الإلحاد. وهذا هو أكبر درس للحج، و”الحج المبرور” هو حج من يعود من الأراضي المقدسة بهذا العزم..

والحقيقة هي أن عمل الحاج لا ينتهي بعد الفراغ من شعائر الحج، بل يبدأ عمله الحقيقي بعد الانتهاء منها، فعودته من الحج بداية لرحلة أكثر أهمية..

ويردد الحاج مرة بعد أخرى خلال شعائر الحج كلمات: “لبيك اللهم لبيك” .. فما هي هذه الكلمات؟ إنها كلمات معاهدة بين الله وعبده.. وتقع المعاهدة دائمًا في بداية أمر ما، فهي ليست نهاية له. وهكذا عبادة الحج، فمن يعود بعد أداء مراسم الحج فقد رجع بعد عقد معاهدة مقدسة مع ربه. ويجب عليه ألا يخلد لحياته على سابق عهدها قبل الحج، بل يجب عليه أن يبدأ العمل وفق أحواله وكفايته طبقًا لما عاهد ربه. فالعودة من الحج عودة من مقام العهد إلى مقام العمل، ولا تنتهي مسئوليات الحاج بعد الانتهاء من الحج بل تزداد وتكبر في حقيقة الأمر.

وما هي معاهدة الحج؟ إنها عزم إعادة تاريخ معين، وهي إقرار باستعداد العبد لتكرار الحياة الإبراهيمية. فحين شاهد إبراهيم عليه السلام أهل العراق “المتحضرين” لا يصغون لكلامه حول التوحيد والآخرة وضع خطة جديدة لعمله بأن أخضع نفسه وأسرته لأشد التضحيات فأنشأ نسلاً جديدًا، لقد حوّل إبراهيم عمل الدعوة إلى خطة عظيمة، وقام بكل ما كانت هذه الخطة تقتضي منه من تضحيات.

وهكذا يجب على الإنسان أن يقوم اليوم بكل ما تقضيه الظروف، وأن يظل صابرًا على هذا الدرب إلى أن تحين منيته، أو أن يصل إلى هدفه المنشود.

وكما كان الشرك يتمتع بالغلبة العالمية في عهد إبراهيم عليه السلام، فالإلحاد يتمتع بالغلبة العالمية اليوم. وواجب العائدين من الحج اليوم أن يعملوا على القضاء على عصر الإلحاد وإحياء عصر التوحيد من جديد عملاً بالأسوة الإبراهيمية، وعليهم أن يحيوا الأسوة الإبراهيمية مرة أخرى في هذا العصر، ويجب عليهم أن يضحّوا في هذا السبيل بكل ما تقتضيه الأحوال منهم، فيجب عليهم أن يحوّلوا التضحية الرمزية إلى تضحية حقيقية.

إن الحج عزم على إعادة هذا التاريخ بصورة رمزية في أيام الحج، وبصورة عمل مخطط في الحياة الحقيقية بعد انقضاء أيام الحج.