سعيد حوى رحمه الله

اعلم أن أول الحج الفهم – أعني موقع الحج في الدين – ثم الشوق إليه ثم العزم عليه، ثم قطع العلائق المانعة منه، ثم شراء ثوب الإحرام، ثم شراء الزاد، ثم اكتراء الراحلة، ثم الخروج، ثم المسير، ثم الإحرام من الميقات بالتلبية، ثم دخول مكة، ثم استتمام الأفعال، وفي كل واحد من هذه الأمور تذكرة للمتذكر، وعبرة للمعتبر، وتنبيه للمريد الصادق، وتعريف وإشارة للفطن. فلنرمز إلى مفاتحها حتى إذا انفتح بابها، وعُرفت أسبابها، انكشف لكل حاج من أسرارها ما يقتضيه صفاء قلبه، وطهارة باطنه، وغزارة فهمه.

أما الفهم: فاعلم أن لا وصول إلى الله سبحانه وتعالى إلا بالتنزه عن الشهوات، والكف عن اللذات، والاقتصار على الضرورات، والتجرد لله سبحانه في جميع الحركات والسكنات. فلما اندرس ذلك وأقبل الخلق على اتباع الشهوات وهجروا التجرد لعبادة الله عز وجل وفتروا عنه، بعث الله عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم لإحياء طريق الآخرة، وتجديد سنة المرسلين في سلوكها. فلما سئل عن الرهبانية والسياحة في دينه قال صلى الله عليه وسلم: “أبدلنا الله بها الجهاد والتكبير على كل شرف” يعني الحج. وسئل صلى الله عليه وسلم عن السائحين فقال: “هم الصائمون” ، فأنعم الله عز وجل على هذه الأمة بأن جعل الحج رهبانية لهم، فشرف البيت العتيق بالإضافة إلى نفسه تعالى، ونصبه مقصدًا لعباده، وجعل ما حواليه حرمًا لبيته تفخيمًا لأمره. وجعل عرفات كالميزاب على فناء حوضه. وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وشجره. يقصده الزوّار من كل فج عميق، ومن كل أوب سحيق، شُعثاً غبراً متواضعين لرب البيت، ومستكينين له، خضوعًا لجلاله واستكانة لعزته. مع الاعتراف بتنزيهه عن أن يحويه بيت، أو يكتنفه بلد؛ ليكون ذلك أبلغ في رقّهم وعبوديتهم، وأتم في إذعانهم وانقيادهم؛ ولذلك وظّف عليهم فيها أعمالاً لا تأنس بها النفوس، ولا تهتدي إلى معانيها العقول، كرمي الجمار بالأحجار، والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار. وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية. فإن الزكاة إرفاقٌ ووجهه مفهوم وللعقل إليه ميل. والصوم كسر للشهوة التي هي آلة عدو الله، وتفرغ للعبادة بالكف عن الشواغل. والركوع والسجود في الصلاة تواضع لله عز وجل بأفعال هي هيئة التواضع، وللنفوس أُنْس بتعظيم الله عز وجل. فأما ترددات السعي ورمي الجمار وأمثال هذه الأعمال فلا حظ للنفوس ولا أنس فيها، ولا اهتداء للعقل إلى معانيها فلا يكون في الإقدام عليها باعث إلا الأمر المجرد، وقصد الامتثال للأمر من حيث إنه أمر واجب الاتباع فقط. وفيه عزل للعقل عن تصرفه، وصرف النفس والطبع عن محل أنسه، فإن كل ما أدرك العقل معناه مال الطبع إليه ميلاً ما. فيكون ذلك الميل معيناً للأمر وباعثاً معه على الفعل، فلا يكاد يظهر به كمال الرق والانقياد؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحج على الخصوص “لبيك بحجة حقًّا تعبداً ورقاً” ، ولم يقل ذلك في صلاة ولا غيرها. وإذا اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى ربط نجاة الخلق بأن تكون أعمالهم على خلاف هوى طباعهم، وأن يكون زمامها بيد الشرع، فيترددون في أعمالهم على سنن الانقياد وعلى مقتضى الاستعباد. كأن ما لا يُهتدى إلى معانيه يكون أبلغ أنواع التعبدات في تزكية النفوس وصرفها عن مقتضى الطباع والأخلاق. إلى مقتضى الاسترقاق. وإذا تفطنتَ لهذا فَهِمْتَ أن تعجب النفوس من هذه الأفعال العجيبة مصدره الذهول عن أسرار التعبدات. وهذا القدر كافٍ في تفهم أصل الحد إن شاء الله تعالى.

وأما الشوق: فإنما ينبعث بعد الفهم والتحقق بأن البيت بيت الله عز وجل فقاصده قاصد إلى الله عز وجل وزائر له.

وأما العزم: فليعلم أنه بعزمه قاصداً إلى مفارقة الأهل والوطن، ومهاجرة الشهوات واللذات متوجهاً إلى زيارة بيت الله عز وجل. وليعظّم في نفسه قدر البيت وقدر رب البيت، وليعلم أنه عزم على أمر رفيع شأنه خطير أمره، وأن من طلب عظيمًا خاطر بعظيم. وليجعل عزمه خالصًا لوجه الله سبحانه وتعالى بعيدًا عن شوائب الرياء والسمعة، وليتحقق أنه لا يقبل من قصده وعمله إلا الخالص.

وأما قطع العلائق: فمعناه: رد المظالم والتوبة الخالصة لله تعالى عن جملة المعاصي، فكل مظلمة علاقة، وكل علاقة مثل غريم حاضر متعلق بتلابيبه ينادي عليه ويقول: إلى أين تتوجه؟ أتقصد بيت ملك الملوك وأنت مضيع أمره في منزلك هذا ومستهين به ومهمل له؟ أَوَلا تستحيي أن تقدم عليه قدوم العبد العاصي فيردك ولا يقبلك؟ فإن كنت راغبًا في قبول زيارتك فنفّذ أوامره، وردّ المظالم وتبْ إليه أولاً من جميع المعاصي، واقطع علاقة قلبك عن الالتفات إلى ما وراءك لتكون متوجهًا إليه بوجه قلبك، كما أنك متوجه إلى بيته بوجه ظاهرك. فإن لم تفعل ذلك لم يكن لك من سفرك أولاً إلا النصب والشقاء وآخراً إلا الطرد والرد.

وأما الزاد: فليطلبه من موضع حلال، وإذا أحس من نفسه الحرص على استكثاره وطلب ما يبقى منه على طول السفر ولا يتغير ولا يفسد قبل بلوغ المقصد، فليتذكر أن سفر الآخرة أطول من هذا السفر، وأن زاده التقوى وأن ما عداه مما يظن أنه زاده يتخلف عنه عند الموت ويخونه فلا يبقى معه، كالطعام الرطب الذي يَفسُد في أول منازل السفر، فيبقى وقت الحاجة متحيراً محتاجاً لا حيلة له. فليحذر أن تكون أعماله التي هي زاده إلى الآخرة لا تصحبه بعد الموت بل تفسدها شوائب الرياء وكدورات التقصير.

وأما الراحلة: فليشكر الله بقلبه على تسخير الله عز وجل له ما سخَّر من مركوبات، وليتذكر عنده المركب الذي يركبه إلى دار الآخرة وهي الجنازة التي يحمل عليها. فإن أمر الحج من وجه يوازي أمر السفر إلى الآخرة، ولينظر أيصلح سفره على هذا المركب لأن يكون زادًا له لذلك السفر على ذلك المركب؟ فما أقرب ذلك منه. وما يدريه لعل الموت قريب وركوب الجنازة مقطوع به وتيسّر أسباب السفر مشكوك فيه، فكيف يحتاط في أسباب السفر المشكوك فيه ويستظهر في زاده وراحلته ويهمل أمر السفر المستيقن؟

وأما شراء ثوبي الإحرام: فليتذكر عنده الكفن ولفّه فيه، فإنه سيرتدي ويتّزر بثوبي الإحرام عند القرب من بيت الله عز وجل وربما لا يتم سفره إليه. وأنه سيلقى الله عز وجل ملفوفاً في ثياب الكفن لا محالة. فكما لا يلقى بيت الله عز وجل إلا مخالفاً عادته في الزي والهيئة، فلا يلقى الله عز وجل بعد الموت إلا في زي مخالف لزي الدنيا. وهذا الثوب قريب من ذلك الثوب؛ إذ ليس فيه مخيط كما في الكفن.

وأما الخروج من البلد: فليعلم عنده أنه فارق الأهل والوطن متوجهاً إلى الله عز وجل في سفر لا يضاهي أسفار الدنيا، فليحضر في قلبه أنه ماذا يريد وأين يتوجه وزيارة من يقصد؟ وأنه متوجه إلى ملك الملوك في زمرة الزائرين له الذين نودوا فأجابوا، وشُوِّقوا فاشتاقوا واستنهضوا فنهضوا، وقطعوا العلائق وفارقوا الخلائق، واقبلوا على بيت الله عز وجل الذي فخم أمره وعظم شأنه ورفع قدره تسلياً بلقاء البيت عن لقاء رب البيت على أن يرزقوا منتهى مُناهم، ويسعدوا بالنظر إلى مولاهم. ولْيُحضِر في قلبه رجاء الوصول والقبول، لا إدلالاً بأعماله في الارتحال ومفارقة الأهل والمال، ولكن ثقة بفضل الله عز وجل ورجاء لتحقيقه وعدَهُ لمن زار بيته. وليَرجُ أنه إن لم يصل إليه وأدركته المنية في الطريق لقي الله عز وجل وافداً إليه؛ إذ قال جل جلاله: “وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله …” (النساء: 100).

وأما دخول البادية إلى الميقات ومشاهدة تلك العقبات: فليتذكر فيها ما بين الخروج من الدنيا بالموت إلى ميقات يوم القيامة وما بينهما من الأهوال والمطالبات. ومن انفراده من أهله وأقاربه ووحشة القبر وكربته ووحدته. وليكن في هذه المخاوف في أعماله وأقواله متزودًا لمخاوف القبر.

وأما الإحرام والتلبية من الميقات: فليعلم أن معناه: إجابة نداء الله عز وجل فارْجُ أن تكون مقبولاً، واخْشَ أن يقال لك: لا لبيك ولا سعديك. فكن بين الرجاء والخوف مترددًا، وعن حولك وقوتك متبرئًا، وعلى فضل الله عز وجل وكرمه متوكلاً. فإن وقت التلبية هو بداية الأمر والتلبية محل الخطر. قال سفيان بن عيينة: حج علي بن الحسين رضي الله عنهما فلما أحرم واستوت به راحلته اصفرَّ لونه، وانتفض، ووقعت عليه الرعدة، ولم يستطع أن يلبي فقيل له: لم لا تلبي؟ فقال: أخشى أن يقال لي: لا لبّيك ولا سعديك. وليتذكر الملبي عند رفع الصوت بالتلبية في الميقات إجابته لنداء الله عز وجل؛ إذ قال: “وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ” (الحج:27) ونداء الخلق بنفخ الصور، وحشرهم من القبور وازدحامها في عرصات القيامة مجيبين لنداء الله سبحانه، ومنقسمين إلى مقرّبين وممقوتين، ومقبولين ومردودين. ومترددين في أول الأمر بين الخوف والرجاء تردد الحاج في الميقات، حيث لا يدرون أيتيسر لهم إتمام الحج وقبوله أم لا؟

وأما دخول مكة: فليتذكر عندها أنه قد انتهى إلى حرم الله تعالى آمنًا، وليَرْجُ عنده أن يأمن بدخوله من عقاب الله عز وجل، وليخش أن لا يكون أهلاً للقرب فيكون بدخوله الحرم خائباً ومستحقاً للمقت. وليكن رجاؤه في جميع الأوقات غالبًا، فالكرم عميم، والرب رحيم، وشرف البيت عظيم، وحق الزائر مَرْعِيّ، وذمام المستجير اللائذ غير مضيع.

وأما وقوع البصر على البيت: فينبغي أن يحضر عنده عظمة البيت في القلب، ويقدر كأنه مشاهد لرب البيت لشدة تعظيمه إياه. وارْجُ أن يرزقك الله تعالى النظر إلى وجهه الكريم كما رزقك الله النظر إلى بيته العظيم، واشكر الله تعالى على تبليغه إياك هذه الرتبة، وإلحاقه إياك بزمرة الوافدين عليه. واذكر عند ذلك انصباب الناس في القيامة إلى جهة الجنة آملين لدخولها كافة، ثم انقسامهم إلى مأذونين في الدخول ومصروفين، انقسام الحاج إلى مقبولين ومردودين. ولا تغفل عن تذكر أمور الآخرة في شيء مما تراه، فإن كل أحوال الحاج دليل على أحوال الآخرة.

وأما الطواف بالبيت: فاعلم أنه صلاة فأحضرْ في قلبك فيه من التعظيم والخوف والرجاء والمحبة ما فصلناه في كتاب الصلاة. واعلم أنك بالطواف متشبه بالملائكة المقربين الحافين حول العرش الطائفين حوله. ولا تظنن أن المقصود طواف جسمك بالبيت فحسب، بل المقصود طواف قلبك بذكر رب البيت، حتى لا تبتدي الذكر إلا منه، ولا تختم إلا به، كما تبتدي الطواف من البيت وتختم بالبيت.

وأما الاستلام: فاعتقد عنده أنك مبايع لله عز وجل على طاعته، فصمم عزيمتك على الوفاء ببيعتك، فمن غدر في المبايعة استحق المقت. وقد روى ابن عباس رضى الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “الحجر الأسود يمين الله عز وجل في الأرض يصافح بها خلقه كما يصافح الرجل أخاه”.

وأما التعلق بأستار الكعبة والالتصاق بالملتزم: فلتكن نيتك في الالتزام طلب القرب حبًّا وشوقًا للبيت ورب البيت، وتبركًا بالمماسة ورجاء للتحصن عن النار في كل جزء من بدنك، ولتكن نيتك في التعلق بالستر الإلحاح في طلب المغفرة وسؤال الأمان، كالمذنب المتعلق بثياب من أذنب إليه، المتضرع إليه في عفوه عنه، المظهر له أنه لا ملجأ له منه إلا إليه، ولا مفزع له إلا كرمه وعفوه، وأنه لا يفارق ذيله إلا بالعفو وبذل الأمن في المستقبل.

وأما السعي بين الصفا والمروة في فناء البيت: فإنه يضاهي تردد العبد بفناء دار الملك جائيًا وذاهبًا مرة بعد أخرى إظهارًا للخلوص في الخدمة ورجاء الملاحظة بعين الرحمة. كالذي دخل على الملك وخرج وهو لا يدري ما الذي يقضي به الملك في حقه من قبول أو رد؟ فلا يزال يتردد على فناء الدار مرة بعد أخرى يرجو أن يرحم في الثانية إن لم يرحم في الأولى. وليتذكر عند تردده بين الصفا والمروة تردده بين كفتي الميزان في عرصات القيامة، وليتذكر تردده بين الكفتين ناظراً إلى الرجحان والنقصان، متردداً بين العذاب والغفران.

وأما الوقوف بعرفة: فاذكر – بما ترى من ازدحام الخلق وارتفاع الأصوات واختلاف اللغات، واتباع الفرق أئمتهم في الترددات على المشاعر اقتفاء لهم وسيرًا بسيرهم – عرصات القيامة واجتماع الأمم مع الأنبياء والأئمة واقتفاء كل أمة نبيها، وطمعهم في شفاعتهم، وتحيرهم في ذلك الصعيد الواحد بين الرد والقبول. وإذا تذكرت ذلك فألزِمْ قلبك الضراعة والابتهال إلى الله عز وجل، فتحشرَ في زمرة الفائزين المرحومين، وحقِّق رجاءك بحسن الظن بالله؛ فالموقف موقف إجابة؛ ولذلك قيل: إن من أعظم الذنوب أن يحضر عرفات ويظن أن الله تعالى لم يُغفر له. وكأن اجتماع الهمم والاستظهار بمجاورة المجتمعين من أقطار البلاد هو سر الحج، وغاية مقصوده، فلا طريق إلى استدرار رحمة الله سبحانه مثل اجتماع الهمم وتعاون القلوب في وقت واحد.

وأما رمي الجمار: فاقصد به الانقياد للأمر: إظهارًا للرق والعبودية؛ وانتهاضاً لمجرد الامتثال من غير حظ للعقل والنفس فيه، ثم اقصد به التشبه بإبراهيم عليه السلام، حيث عرض له إبليس لعنه الله تعالى في ذلك الموضع، فأمره الله عز وجل أن يرميه بالحجارة طرداً له وقطعاً لأمله. فإن خطر لك أن الشيطان عرض له وشاهده فلذلك رماه، وأما أنا فليس يعرض لي الشيطان؟ فاعلم أن هذا الخاطر من الشيطان، وأنه الذي ألقاه في قلبك ليفتر عزمك في الرمي، ويخيل إليك أنه فعل لا فائدة فيه، وأنه يضاهي اللعب فلم تشتغل به؟ فاطرده عن نفسك بالجد والتشمير في الرمي فيه برغم أنف الشيطان. واعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى إلى العقبة وفي الحقيقة ترمي به وجه الشيطان، وتقصم به ظهره؛ إذ لا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله سبحانه وتعالى تعظيمًا له بمجرد الأمر من غير حظ للنفس والعقل فيه.

وأما ذبح الهدي: فاعلم أنه تقرب إلى الله تعالى بحكم الامتثال، فأكْمِلِ الهدي وارْجُ أن يعتق الله بكل جزء منه جزءاً منك من النار، فكلما كان الهدي أكبر وأجزاؤه أوفر كان فداؤك من النار أعم.

وأما زيارة المدينة: فإذا وقع بصرك على حيطانها فتذكر أنها البلدة التي اختارها الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، وجعل إليها هجرته، وأنها داره التي شرع فيها فرائض ربه عز وجل وسنته، وجاهد عدوه وأظهر بها دينه إلى أن توفاه الله عز وجل. ثم جعل تربته فيها وتربة وزيرَيْه القائمَين بالحق بعده رضي الله عنهما. ثم مثّل في نفسك مواقع أقدام رسول الله صلى الله عليه وسلم عند تردداته، وتذكر مشيه وتخطيه في سككها، وتصور خشوعه وسكينته في المشي، وما استودع الله سبحانه قلبه من عظيم معرفته ورفعه ذكره مع ذكره تعالى حتى قرنه بذكر نفسه، وإحباطه عمل من هتك حرمته ولو برفع صوته فوق صوته، ثم تذكر ما مَنَّ الله تعالى به على الذين أدركوا صحبته وسعدوا بمشاهدته واستماع كلامه، وأعظمْ تأسفك على ما فاتك من صحبته وصحبة أصحابه رضي الله عنهم، ثم اذكر أنك قد فاتتك رؤيته في الدنيا وأنك من رؤيته في الآخرة على خطر. وأنك ربما لا تراه إلا بحسرة، وقد حيل بينك وبين قبوله إياك لسوء عملك، كما قال صلى الله عليه وسلم: “يرفع الله إليّ أقواماً فيقولون يا محمد فأقول: يا رب أصحابي. فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول بعداً وسحقاً”، فإن تركت حرمة شريعته ولو في دقيقة من الدقائق فلا تأمن أن يحال بينك وبينه بعدو لك عن حجته. وليعظم مع ذلك رجاؤك ألا يحولَ الله تعالى بينك وبينه أن رزقك الإيمان، فما أجدرك بأن ينظر الله تعالى إليك بعين الرحمة، فإذا بلغت المسجد فاذكر أنها العرَصَة التي اختارها الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم ولأول المسلمين وأفضلهم عصابة. وأن فرائض الله سبحانه أول ما أقيمت في تلك العرصة. وأنها جمعت أفضل خلق الله حيًّا وميتًا، فليَعْظُم أمَلُك في الله سبحانه أن يرحمك بدخولك إياه فادخله خاشعاً معظماً. وما أجدر هذا المكان بأن يستدعي الخشوع من قلب كل مؤمن.

وأما زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم: فينبغي أن تقف بين يديه وتزوره ميتاً كما تزوره حيًّا، ولا تقرب من قبره إلا كما كنت تقرّب من شخصه الكريم لو كان حيًّا. وكما كنت ترى الحرمة في ألا تمس شخصه ولا تقبله بل تقف من بعد ماثلاً بين يديه فكذلك فافعل، فإن المس والتقبيل للمشاهدة عادة النصارى واليهود. وأحضر عظيم رتبته في قلبك فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم “أن الله تعالى وكل بقبره ملكاً يبلغه سلام من سلم عليه من أمته”. هذا في حق من لم يحضر قبره فكيف بمن فارق الوطن وقطع البوادي شوقاً إلى لقائه، واكتفى بمشاهدة مشهده الكريم؛ إذ فاته مشاهدة غرته الكريمة؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: “من صلَّى عليَّ مرة واحدة صلى الله عليه عشراً”، فهذا جزاؤه في الصلاة عليه بلسانه فكيف بالحضور لزيارته ببدنه؟ ثم ائتِ منبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وتوهم صعود النبي صلى الله عليه وسلم المنبر، ومثِّل في قلبك طلعته البهية كأنها على المنبر، وقد أحدق به المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم وهو صلى الله عليه وسلم يحثهم على طاعة الله عز وجل بخطبته، وسَلِ الله عز وجل ألا يفرّق في القيامة بينك وبينه، فهذه وظيفة القلب في أعمال الحج. فإذا فرغ منها كلها فينبغي أن يَلْزم قلبه الحزن والهم والخوف، وأنه ليس يدري أقُبِل منه حجه، وأثبت في زمرة المحبوبين أم رُدَّ حجه وأُلْحِق بالمطرودين؟ وليتعرف ذلك من قلبه وأعماله، فإن صادف قلبه قد ازداد تجافياً عن دار الغرور وانصرافاً إلى دار الأنس بالله تعالى ووجد أعماله قد اتزنت بميزان الشرع فليثق بالقبول، فإن الله تعالى لا يقبل إلا من أحبه؛ ومن أحبه تولاه وأظهر عليه آثار محبته، وكفَّ عنه سطوة عدوه إبليس لعنه الله. فإذا ظهر ذلك عليه دل على القبول، وإن كان الأمر بخلافه فيوشك أن يكون حظه من سفره: العناء والتعب نعوذ بالله سبحانه وتعالى من ذلك.