الشيخ المراغي-نشر عام 1958م

للحج أهداف سامية وغايات نبيلة يقصد إليها وتبتغى من القيام به، وهذا شأن جميع التكاليف الشرعية؛ لأنها إنما تهدف إلى إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع لأن الله- تعالى- غني عن العالمين لا تنفعه عبادة العابدين، ولا يضره عصيان العاصين، وإنما اقتضت حكمته العالية استخلاف النوع الإنساني في الأرض؛ ليعمرها ويستقر فيها على أكمل نظام وأوفق عيشة وانسجام، فالحج قد أمر به الله- تعالى- عباده المؤمنين القادرين بقوله: “ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين”.

ففي الحج ومناسكه فوائد جمة؛ إذ بالإحرام وترك المخيط من اللباس، وتجرد عن مألوف العادات إلى ظهور الإنسان بمظهر الفطرة ومظهر التقشف والتساوي بين الحاجين، يشعرهم بذهاب الفوارق ومحور التعالي بين الطبقات، فلا شريف ولا وضيع ولا غني ولا فقير، بل الكل سواسية كأسنان المُشط لا يفاضل بينهم إلا العمل الصالح، فلا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، وأكرم الخلق عند الله أتقاهم وأشدهم تمسكًا بما أمر الله به وما نهى عنه، ثم في إهلال الحاج بالدعوات والالتجاء إلى الله- تعالى- والمسارعة إلى أماكن الرحمة، ظهور منه بمظهر الحاجة إلى ربه وطلب العون منه ودفع الغرور عن نفسه، ثم أن الطواف بالكعبة التي هي أول بيت وضع للناس وهو البيت المبارك الذي جعله الله هداية للناس وأمنا.

وفي الحج منافع للناس لدافع إلى فعل الطاعات في دنياهم لا تقل عن منافعهم في دينهم وقد أرشدهم إلى ذلك ربهم بقوله: “ليشهدوا منافع لهم”، فالمؤتمر الإسلامي الأكبر لا يتحقق على أكمل وجه ولا يؤدي فائدته المطلوبة إلا في تلك الأيام المباركة والأمكنة الطاهرة التي يكون الناس فيها أقرب ما يكونون إلى ربهم؛ لطهارة نفوسهم وأرواحهم وتجردهم مما يشغل القلوب ويبلبل الأفكار؛ حيث لا حقد ولا حسد ولا بغضاء ولا شنآن.

ولقد ختم النبي- عليه السلام- في حجة الوداع رسالته، وخطب فيها خطبته التي أرست قواعد الإسلام، وأسست له الأسس الصالحة التي لا يضل من اهتدى بها، ونزل عليه قوله تعالى: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا” فالله- تعالى- ما خلق الخلق إلا ليعبدوه وإلا لتعود فائدة هذه العبادة عليهم طهرًا وثوابًا وسعادة في دينهم ودنياهم قال- تعالى-: “وما خلقتُ الجنَّ والإنس إلا ليعبدون * ما أُريدُ منهم من رزقٍ وما أريد أن يطعمونِ * إنَّ اللهَ هو الرزاقُ ذو القوةِ المتينُ”.

فما الحياة وتصرفاتها وتقلباتها من غنى إلى فقر، ومن مرض إلى صحة، ومن سعادة إلى شقاء إلا لأجل الابتلاء، والوقوف على مدى استعداد المكلف ومتانة إيمانه وقوة يقينه وتجلده وصبره على ملاقاة الحوادث ومقاومة الخطوب قال تعالى: “الم * أحسبَ الناسُ أن يُتركُوا أن يَقولوا آمنَّا وهُم لا يُفتنونَ * ولقدْ فَتَنَّا الَّذين مِن قبلهم فَلَيعلمنَّ اللهُ الذينَ صدقوا وليعلمنَ الكاذبين”، وقال- تعالى-: “أم حسبَ الذين اجترحوا السيئاتِ أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ سواءٌ محياهم ومماتهم ساءَ ما يَحكمونَ”.

فالتكاليف كلها قد فرضها الله ليصل الإنسان منها إلى درجة الكمال الروحي والصفاء النفسي، فطوبى من أجاب داعي الله وقام بهذا الواجب؛ ليقيم البرهان الساطع والدليل القاطع على طيب نفسه وصلابة عوده وقوة قناته وصلاحيته لخوض غمر الحياة بإرادة قوية وعزيمة وثابة.

وفي جميع أفعال الحج قربات ومواطن تُستجَاب فيها الدعوات وتثمر الأعمال الصالحات؛ ففي مكة المكرمة البيت الحرام الذي قام ببنائه خليل الله إبراهيم ورفع قواعده مع ابنه إسماعيل- عليهما الصلاة والسلام-، وفي ذلك يقول الله- تعالى-: “وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم”.

فكم لهذه المناطق الطيبة المباركة من ذكريات حافلة بجلائل الأعمال، وكم لها من فضل على الإنسانية، فهي مهبط النور ومبعث خاتم الأنبياء والمرسلين، وهي التي هاجر إليها خليل الله إبراهيم مع زوجته هاجر وابنه إسماعيل، وقد تركهما في ذلك المكان المقفر والأرض المجدبة والصحراء القاحلة؛ فحفظهما الحافظ الأمين وقد استجاب الله دعاء إبراهيم -عليه السلام- إذ يقول: “ربنَا إنِّي أسكنتُ من ذريتي بوادٍ غيرِ ذي زرع عند بيتِكَ المُحرَّمِ ربَّنَا ليُقيموا الصلاةَ فاجعلْ أفئدةً من الناسِ تهوي إليهم وارزُقْهم من الثمراتِ لعلَّهم يشكرونَ”.

فهذه الأماكن الطاهرة ينبوع الهداية، ومشرق النور، ومبعث الضياء، والسراج الوهاج؛ للسير في هذه الحياة المظلمة على بصيرة وصراط مستقيم، ولا يتم للمؤمنين معنى البنيان المرصوص الذي أشار إليه الرسول- صلى الله عليه وسلم- في قوله: “المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا” وقوله: “مثل المؤمنين في توآدهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمي”، لا يتم للمسلمين ما قصده نبيهم إلا إذا اغتنموا كل فرصة من اجتماعهم في مثل الحج والجمعة والصلوات، ففكروا في شئونهم وتدبروا في مسائلهم الدينية والدنيوية، وتعانوا على البر والتقوى من حل معضلات الحياة والتغلب على مصاعبها، جاعلين نصب أعينهم عزتهم وكرامتهم ومجدهم وسلطانهم تحقيقًا لقوله تعالى: “ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين”.

فالحج أشهر معلومات، ولا رفث فيه، ولا فسوق، ولا جدال، وإنما أيامه كلها ذكر وابتهال وتقرب إلى الله- تعالى-، قال- عز من قائل-: “الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب * ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين”.

فمن أخلص حجه من الرياء والإثم وراعى فيه الآداب الإسلامية من حسن الخلق والجود، وإطعام الطعام، والعطف على أهل الحرمين؛ كان حجه مبرورًا مقربًا إلى الله مبعدًا من الشيطان قال- عليه السلام-: “من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”، وقال “العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة”، ويقول- عليه السلام-: “وفد الله ثلاثة: الغازي، والحاج، والمعتمر”.

فليت المسلمين يعلمون الحج وفوائده علمًا ينتج ثمرته ويحقق غايته؛ فيقيموا به ما أعوج من أمرهم، وما انهدم من بنيانهم، وما انحل من أمرهم، وما تناثر من عزهم ومجدهم، وبذلك يرتفع في العالمين صوتهم، ويخشى بأسهم، وتتحد كلمتهم، وتجتمع قلوبهم على ما فيه خيرهم وسعادتهم، وكم لهم من خير عظيم لو تدبروا قول رسولهم الكريم حين خطبهم في بعض مناسك الحج فقال: “أيها الناس، أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام. قال: فأي بلد هذا؟ قالوا بلد حرام. قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، فأعادها مرارًا، ثم رفع رأسه فقال: اللهم بلغت، اللهم فاشهد”.

وإذا ما اتبع الحاج ذلك الركن العظيم من أركان الإسلام؛ فزار بعد حجه قبر خاتم الرسل نبينا محمد- عليه السلام-، استجابة لقوله: “من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي”، وقوله: “من زار قبري وجبتْ له شفاعتي”. وللزيارة آداب يوحي بها جلال الموقف ورهبته ومنزلة صاحب القبر وعظمته، وحسبك في بيان هذه المنزلة وهاتيك العظمة قول الله -عز وجل-: “لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم”، وقوله تعالى: “لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا”، وقوله –تعالى-: “إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم”.

وإن تيار المدنية الجارف، وريحها الصرصر العاتية، وظلماتها الحالكة؛ لنذير شديد للأخلاق والعادات القويمة، ولو لم يتنبه القائمون على حفظ هذا التراث الخالد، ولو لم يضاعفوا نشاطهم، ويفتحوا أعينهم، ولو لم يراقبوا الله في أداء رسالتهم حق الأداء؛ لطفت عليهم هذه السيول الجارفة من الزيغ والأغلال الخلقي والاضطراب النفسي؛ فأصبحوا بعد وقوع الطامة الكبرى عليهم حيارى لا يجدون مرشدًا، وضعافًا لا يجدون ناصرًا، فهم الآن في سعة من الوقت يستطيعون فيه التفكير والتدبير، وربما يصبحون بعد تكاسلهم وغفلتهم في واد من الندم ولات ساعة مندم.

فالنصح لله ولرسوله وللمؤمنين وللقائمين على شأن هذا الدين وتعاليمه أن لا يخشوا في الله لومة لائم، وأن يتواصوا بالحق والصبر، وإن مع العسر يسرًا، ولقد صدق الله- تعالى- إذ يقول: “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا”. وفقنا الله لخدمة دينه، ووقانا شر الفتن، ونزغات الشيطان.